• كلما تقدمنا في العمر زمناً توقفنا عن خوض شيءٍ ما من الحياة، نكتفي بمشاهدته من بعيد، وإذا لم يكن متاحاً للرؤية تأوهنا عليه داخلياً، وادخرناه لحديث حميم، مع شركاء قدامى. ما فعله أحدنا في العاشرة لا يمكنه فعله في العشرين، وما قدحناه من الركض واليقظة في العشرين، ما عاد ممكناً في الأربعين.. والذي يعيش في السبعين والثمانين، حتماً يراقب الحياة أو يتذكرها أكثر مما يخوضها!.

• ذو السبعين عاماً ينظر لكفيه، يرى في باطنهما حكايا عن الأبواب التي أوصدها، والأخرى التي طرقها حتى فُتحت. ينظر لساقيه ويتذكر الحيطان التي قفز من فوقها، والشوارع التي عبرها.. ينظر لكفيه وساقيه وهما ملطختان بالسنين والتجاعيد، ويخطر بباله لو أن شيئاً خرافياً يفعله هؤلاء الأطباء الفارغون غير الكلام عن السكر والدهون، شيئاً يرجع بالجسد إلى الوراء، لماذا لا يبتكرون لقاحاً يمحو هذا الوهن والترهل، شيئاً يجعل المرء يتقشّر مثل دودة، ويخرج وله جلدٌ جديد وعظامٌ أشدّ. هؤلاء الأطباء الحانوتيين يدارون عجزهم بالثرثرة عن الوقايات، وفوق هذا، فإن مشاهد الموت تتطاير مع لعابهم، ومن بين كلماتهم!.

• وامرأة مثله، في السبعين أيضاً، صارت تتفادى مرآتها، لكنها حين تقف أمامها تتسمّر مكانها، وتشعر بوجعٍ وغبن، ثم يمرّ بذهنها خاطرٌ قديم، وسرّ لا يعرفه أحد. تتذكر كلماتٍ وقصة. ثم تذهب سريعاً لأدراجها، تخرج صورها.. "هذه قبل عشر سنين، كان وجهي أكثر تماسكاً، وهذه قبل أربعين عاماً، يا الله...! لقد كنتُ جميلة!" ثم تنظر حولها، فلا تجد غير الوحدة، وهؤلاء الصغار من أحفادها لا يعرفون عنها سوى تحيات الواجب. كم تكره ذلك السؤال الثقيل "كم عمرك يا جدتي؟". هذا السؤال يقوله الصغار وهم يفكرون في كم مضى من الوقت، لكن الذين تجاوزوا الستين لا يفهمون منه إلاّ كم بقي من الوقت!.

http://www.youtube.com/watch?v=sUB8MjdtR9k

• الذين يتوقفون عن الحياة تتوقف الحياة عنهم، وبدون شك، فإن الذين هرموا وتمددوا على فرشهم بانتظار النهاية، قد توقفوا عن خوض الحياة منذ زمن، لقد صدقوا هواجسهم بأن الحب والسفر وملاحقة الحياة ما عادت لهم. اكتفوا فقط بمراقبة الأيام والأشياء والذكريات حتى وقعوا في فخّ قلقهم من الموت. وهذا النوع من القلق، لا أحد يمكنه أن يصمد أمامه. سينهشه من الداخل حتى يرمي به سريعاً إلى حفرته!.

• من يتوقف عن خوض الحياة تتوقف الحياة عنه، هذه عدالة الله.