تسكن الأخت الفاضلة المغفور لها بإذن الله، ناهد المانع، أو كانت، على بعد أمتار من حدود هذا الوطن الغالي في حواف الشمال، وأنا في المقابل أسكن على بعد كيلات قليلة في الطرف الجنوبي لنهايات ذات الوطن. لكنها ـ رحمها الله وأسكنها فسيح جنانه ـ جمعت بفاجعتنا بها أطراف وطن متحد مكتمل، وحتى اللحظة فقد جمعت لكم عشرات المقالات في تأبينها من كل بوصلة الوطن الأربع مثلما أبكت برحيلها المرّ "أمة سعودية" شاملة، وكلها توحدت لتكون: ناهد المانع.
وفي صورة التحليل للخطاب الاجتماعي الوطني في "رحيل ناهد المانع"، توحد هذا الوطن في أغلبية ساحقة تتعاطف مع مأساة بنت وطن، وفي فئام قليلة، ولكنها حركية مستفزة تحاول بدء الحفلة "المضادة" رقصاً على مأساة سعودية من جذر هذا الوطن وعروق رماله الأصيلة. أغلبية ساحقة من أبناء وطني بقلوب مفتوحة للعزاء، وفئام تريد أن تقول بكل صلف: لقد قتلها من أخرجها.. في استعارة مكشوفة لجملة شهيرة نعرف من هو الذي قالها في ورقة من دفتر التاريخ. هؤلاء يتجاهلون أن برنامج الابتعاث يرفض في العام الواحد طلبات عشرة آلاف أسرة سعودية لابتعاث بناتهن إلى جامعات الدنيا بقرارهن الشخصي الخالص المحض. هؤلاء يعرفون جيداً أن في إضبارات البعثة الدراسية السعودية ما يقرب من مئة ألف زوجة لمئة ألف مبتعث في شوارع الدنيا ومدنها وجامعاتها، مثلما يعرفون أيضا أن هذه الأيام من الإجازة بالتحديد تعج بنصف مليون امرأة سعودية سائحة في كل مدن الدنيا وعوالمها، مثلما يعرفون جيداً أن الأخت الشريفة ناهد المانع لم تقتل لأنها السعودية الوحيدة في مدن الدنيا، ولا لأنها كانت هناك ثم قتلت لأنها طالبة مبتعثة.
ختاماً، هذه رسالة شكر لسمو سفيرنا في بريطانيا، الأمير محمد بن نواف، شاكراً فيها تلك الصور الوطنية الرائعة وهو يزور جاليتنا السعودية في "كولشستر"، ويقدم العزاء لكل فرد وبيت من إخوان وأخوات المرحومة في مضارب الغربة، ويطمئن كل الجالية أن وطنهم بأكمله ينتقل إليهم، ويعالج جراحهم، ويقف معهم لتجاوز هذا الظرف النفسي المؤلم الذي تركته هذه القصة في نفس كل مواطن سعودي، وعلى رأسهم أهل "ناهد المانع" من أهلنا الكرام في هذه المدينة. شكراً "ناهد" لهذا الدرس العظيم في التكاتف والوحدة.