من أهم التحليلات التي قرأتها بعد مقتل ابنة الوطن ناهد المانع المبتعثة لتحضير رسالة الدكتوراه في كولشستر، بمقاطعة إيسيكس في إنجلترا هو للباحث في تحليل الخطاب الإعلامي البريطاني، فهد عطيف المحاضر في جامعة الملك خالد، الذي أكد بأنه هناك قرائن تشير إلى أن الدافع لطعن ناهد حتى الموت هو التزامها بالحجاب، مفيداً بأن هناك دراسات وتقارير حقوقية تثبت أن هذه العنصرية تستمد قوتها من لغة الخطاب الإعلامي ببريطانيا وأوروبا، أتى هذا التحليل قبل أن يتم التأكيد رسمياً بأن من قتلت ناهد هي العنصرية البغيضة التي تهدد الإنسانية، وتهدد أمن كل كائن على أرض البسيطة، وسبق قراءتي لهذا التحليل بيومين استماعي لخطبة الجمعة في أحد جوامع جدة الكبيرة، التي ختمها الخطيب بأدعية لم أستطع أن أؤمن لبعضها، خاصةً التي ابتهل فيها إلى الله يدعو على معتنقي الديانات الأخرى والمذاهب المختلفة بأن يزلزل الأرض من تحت أقدامهم وأن ينشر بينهم الأوبئة والأمراض والفتن وأن يشتتهم ويبيدهم ولا يبقي منهم أحدا، شيخ الجامع لم يتحدث في خطبته عن قضية مقتل المبتعثة ناهد المانع، ولكن من المؤكد بأنه سينبذ العنصرية إن ثبتت أنها كانت السبب في الاعتداء على ناهد، وطعنها حتى فارقت الحياة.
تناقضنا يكمن في أننا نمارس العنصرية بشتى أصنافها وبالخصوص في لغة خطابنا الديني ولكننا نستهجن أن تمارس ضدنا، ونمشي في الأرض مختالين وكأننا القبيلة الوحيدة التي هبطت من السماء كما قالها أحمد أبو دهمان في روايته "الحزام".
يوجد كثير ممن ينبذون العنصرية ولكنهم أشد الممارسين لها، كيف لا وهم يُؤمنون للأدعية خلف أئمة الجوامع بأن يبيد كل من اعتنق الأديان الأخرى واتبع ملتهم وعقائدهم وطقوسهم، ولكنهم ينبذون العنصرية ويمقتونها ويحاربونها عندما يتعرض أحد بني جلدتهم ومذهبهم لعنف العنصرية.
أكاد أن أجزم بأن هؤلاء لا يقلون إرهاباً عن عضو جماعة "داعش" البريطاني الجنسية الملقب بـ"الرشاش البريطاني"، الذي ينادي على مسلمي بريطانيا بأن يستلوا سكاكينهم ويطعنوا كل من تقع عليه أعينهم ويقتلوه ثأراً لمقتل المبتعثة السعودية ناهد.
تناقضنا البين والشاسع في نبذ العنصرية التي تمارس ضدنا ودعم ممارستها ضد الغير بشكل مباشر أو غير مباشر حتى ولو بالدعاء هو أحد أنواع الإرهاب، الذي ما زلنا نغض الطرف عن شراراته المتطايرة والمتفرقة، والتي لن نمنحها الاهتمام والحرص على إخمادها حتى تستفحل حريقاً يلتهم ما تبقى فينا من إنسانية وعدالة وحرية، أن نترك التطرف في لغة خطابنا الديني دون مقاومة يعني أن تغلب العنصرية والعدائية على طابعنا الإسلامي السمح المتصالح مع كل الأديان.
الأدعية التي لم أؤمن عليها في خطبة الجمعة الأخيرة هي ليست الأولى بل سبقتها الأدعية في صلوات الجمع والتراويح والقيام ولن تكون الأخيرة ولن أقول "آمين" عندما يدعو الخطيب على معتنقي الأديان الأخرى بأن يجمد الدماء في عروقهم، وييبس أوصالهم، وييتم أطفالهم، وأن يرمل نساءهم، وأن يقتلهم بددا، ولا يغادر منهم أحدا. كيف لنا أن ندعوا على من يعتنقون الأديان والمذاهب الأخرى ومن ثم نطالب بالسلام، وندعي السماحة، وندعوا لنبذ العنصرية ونحن أكثر ما يدعونا للغضب هو أن نرى شخصاً يصلي صلاة غير صلاتنا، أو يعتنق عقيدة غير عقيدتنا أو يرتدي زياًّ يمثل ديناً أو مذهباً آخر.
ديننا الإسلامي هو دين التسامح والحرية ومعظم الأديان الأخرى تدعو للتسامح كما ندعوا لها. التسامح الديني والتعايش وحرية ممارسة الشعائر وأدب الحوار والتخاطب وعدم التعصب للأفكار الشخصية هي طريقنا للوسطية وما أجمل أن نتبع الحكمة من الآية التي قال فيها الله سبحانه وتعالى: " لكم دينكم ولي دين".
لا يوجد إنسان سوي يدعو للعنصرية بل تجده يتفهم الاختلاف، ويؤمن بأهميته ويثير استياءه التشابه، ويدعو الله آناء الليل وأطراف النهار أن يهديه إلى الطريق الحق وأن يبصره ويهديه.
ممارسو العنصرية حتى لو لم تكن عنصريتهم ظاهرة وتكمن في صدورهم دون أن يبدوها مرضى وغير أصحاء. لديهم الاستعداد لقتل أي شخص مختلف عنهم عند أول فرصة يعتقدون أنهم سيفلتون فيها من العقاب، ويجدون من المثالي جداً أن يكون الجميع متوافقين معهم ومع أفكارهم وديانتهم، وكل من يختلف عنهم شاذ يجب نبذه وتعنيفه أو التخلص منه بأي شكل من الأشكال. ما يغذي مرض العنصرية فيهم هو أنهم يستمعون ويتأثرون ممن نحسبهم قدوة المجتمع رجال الدين، وهم يدعون في كل مناسبة على كل من يخالفهم في العقيدة والمذهب، أتمنى صدقاً ألا تكتفي وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالتعاميم التي تحذر من الدعاء الذي يثير الفتنة ويغذي التطرف والعنصرية بل تتبعها بالجدية والصرامة وعدم التهاون في الحد من هذه الأدعية في مساجدنا والرقابة والمتابعة.
أتفق تماماً مع الدراسات والتقارير الحقوقية التي تؤكد بأن العنصرية في بريطانيا وأوروبا تستمد قوتها من لغة الخطاب الإعلامي الأوروبي، وكذلك أجزم بأن لغة الخطاب الديني المتطرف لا تقل قوة عن الخطاب الإعلامي الأوروبي في تقوية التطرف والعنصرية، اللذين إن صحت التحليلات بأن أختنا ناهد ذهبت ضحية للعنصرية فإنها لن تكون الضحية الأخيرة، ولن يكون آخر ضحايا عنصريتنا تجاه الأديان والمذاهب الأخرى هو الأخير أيضاً، وسنستمر في تبادل الأدوار ما بين ضحية ومعتدٍ حتى تصبح هذه اللعبة هي السائدة رغم تطرفها وقسوتها.