عندما رفعت الصين دعوى مكافحة الإغراق ضد شركة "كرافت" الأمريكية في يناير2006، وهددتها بفرض الرسوم الاحترازية ضد منتجاتها، استهجنت وزارة التجارة الأمريكية هذا التصرف الصادر عن دولة ارتبط اسمها بمختلف الأساليب المشوهة للتجارة. قام الوزير الأمريكي على الفور باستدعاء السفير الصيني لمكتبه في واشنطن، ليهمس في أذنه بأنّ أمريكا ستلجأ إلى هيئة حَسْم المنازعات بمنظّمة التجارة العالمية إذا أصّرت الصين على المضي في دعواها. أثار هذا التهديد رعب الأوساط الصينية من العقوبات القاسية التي قد تواجهها في حال فشل دعواها الباطلة، وتراجعت عن قضية الإغراق خلال 48 ساعة، وقدمت اعتذارها الرسمي لأمريكا.

وعندما بدأت الهند في ديسمبر 1999 بالتحقيق في قضية إغراق أسواقها بمنتجات اللحوم الأسترالية، اتحدت أحزاب الحكومة الأسترالية لأول مرة في تاريخها السياسي للتصدي لدعوى الهند. أصدرت أستراليا قرارها الصارم بحظر دخول العمالة الهندية لأراضيها لأسباب أمنية، استناداً لنص المادة 16 من اتفاقية الخدمات في المنظمة. بعد أقل من 12 ساعة من صدور القرار الأسترالي، أوقفت الحكومة الهندية التحقيق في القضية، وقدمت اعتذارها الرسمي للشركات الأسترالية المتهمة بالإغراق، بعد توقيعه وختمه من أعلى سلطة قضائية في الهند.

ولدى قيام الحكومة المصرية الصديقة في أواخر عام 2001 برفع ثلاث دعاوى إغراق ضد المنتجات البتروكيماوية السعودية، سارعنا في وزارة التجارة السعودية آنذاك، بالتعاون مع وزارتي المالية والزراعة، إلى إصدار قرار حظر استيراد البطاطس المصرية المصابة بمرض "العفن البني"، استناداً لنص المادة 5-2 من اتفاقية التدابير الصحية والصحة النباتية بالمنظمة. خلال شهر من صدور قرار الحظر السعودي قام وزير التجارة الخارجية المصري بزيارة السعودية على رأس وفد رفيع المستوى لفك الحظر المفروض على البطاطس والتشاور بشأن قضايا الإغراق المصرية. نجحت هذه الزيارة في إقناع الجانب المصري بعدم صحة الدعاوى المقامة ضد الصناعة السعودية، وأصدر الوزير الضيف قراره بإلغاء كافة الدعاوى المرفوعة ضد منتجاتنا البتروكيماوية فوراً.

اليوم تواجه الصناعة السعودية عددا من دعاوى الإغراق المقامة ضدها من قبل الصين والهند وتركيا. منذ 10 أعوام والهند تحاول بشتى الوسائل إثبات واقعة الإغراق ضد المنتجات السعودية. في يوليو من عام 1999 أثارت الهند موضوع إغراق أسواقها بالمنتجات البلاستيكية السعودية، وفي شهر مايو من عام 2000 حاولت الهند اتهام الصادرات السعودية من منتجات الصودا الكاوية بإغراق السوق الهندية، وفي شهر فبراير من عام 2001 لجأت الهند إلى فرض رسوم مكافحة الإغراق المؤقتة على الصادرات السعودية من مادة "هيكسامين"، وفي شهر سبتمبر من عام 2002 اتهمت الهند منتجات مصانع الأسلاك واللفائف والألواح المعدنية السعودية بالإغراق، وفي شهر أغسطس من عام 2003 رفعت الهند راية مكافحة الإغراق ضد منتجات "بي في سي" السعودية، وفي شهر نوفمبر من عام 2008 ألقت الهند اللوم على منتجات الحديد السعودية. جميع هذه الدعاوى باءت بالفشل الذريع لأن الهند أخفقت في إثبات الضرر الجسيم الواقع على صناعتها الوطنية نتيجة الإغراق السعودي المزعوم.

في منظمة التجارة العالمية ترفع الدول الأعضاء دعاوى الإغراق ضد الغير لسببين لا ثالث لهما. الأول لقناعة هذه الدول بأن الإغراق يؤدي إلى إلحاق الضرر الجسيم بصناعتها المحلية، وبالتالي يقع على الدولة المدعية عبء إثبات علاقة هذا الضرر بواقعة الإغراق، كما جاء في نص المادة 3 من إتفاقية مكافحة الإغراق. والسبب الثاني يهدف إلى استخدام أحكام مكافحة الإغراق كسياسة حمائية للحد من الواردات التي بدأت تنافس المنتجات المحلية وتقلق مضاجع الحكومات في الدول المدعية.

السبب الثاني هو ما تهدف إليه الصين والهند وتركيا من دعاواها، لجس النبض السعودي وفرض الرسوم الاحترازية على صادراتنا البتروكيماوية السعودية بنسب مرتفعة لكي تثني عزائمنا عن تصدير منتجاتنا للأسواق العالمية.

وعلى الرغم من أن أحكام اتفاقية مكافحة الإغراق تعتبر من أكثر قواعد النظام التجاري العالمي تعقيداً، إلا أنها أيضاً من أكثرها استخداماً في هيئة حسم المنازعات التجارية. ولخشيتها من سوء استخدام أحكام الاتفاقية، ولما تسببه هذه الدعاوى من سمعة سيئة للمنتجات المتهمة بالإغراق، خاصة إذا كانت تمتلك المزايا التنافسية المماثلة لمنتجاتنا البتروكيماوية، تسعى جميع الدول إلى تسخير كافة إمكاناتها وخيرة خبرائها لصد دعاوى الإغراق المرفوعة ضدها والدفاع عن مصالحها الحيوية.

ومع أن قواعد وأحكام النظام التجاري العالمي التي تمت صياغتها عبر نصف قرن تنادي بضرورة تشجيع الدول على استخدام مزاياها التنافسية، إلا أن بعض الدول الأعضاء في المنظمة التي تفتقر إلى هذه المزايا وتخشى على مستقبل صناعاتها البتروكيماوية من منافسة منتجاتنا السعودية، ما زالت تعمل على إثارة موضوع المزايا التي تمنحها السعودية لمصانعنا البتروكيماوية.

نحن اليوم في أمس الحاجة لهيئة تنمية الصادرات لكي تتصدى لمثل هذه الدعاوى، وتقف إلى جانب صادراتنا الوطنية وتحميها من العوائق الفنية أو الإجراءات الحمائية التعسفية التي تمارسها الدول، وتتصدى لدعاوى الإغراق التي رفعتها الصين والهند وتركيا وأقلقت مضاجع صادراتنا.

حتى لا تغتابنا قضايا الإغراق، من واجبنا الوطني أن ندافع عن مصالحنا الحيوية، وأن نقتنع بأن الصداقات الدائمة بين الدول تلاشت في عصر العولمة لتحلّ محلها المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول، التي تحميها من الأحكام الآحادية الجائرة.