إلى عزيزي الـ"دوت كوم"، بعد التحية والاحترام أتقدم لك بكل ما سلبته وبكل ما أعطيته. وأناشدك بعدد ضغطات الأزرار التي على قميصك ونحلت من كثرة الضغط عليها. أن ترحل عن عالمنا، فلم يعد لدي ما أقوله لك بعدما غزوت الدنيا وغزوت عقولنا وبيوتنا وغرفنا وجلساتنا وفرقت بين قلوبنا، لم يعد في حياتنا ما نحكيه لبعضنا. أسفا لك ولما حملته من معرفة ومن علوم، ومن تقريب ومن معلومات، ومن طاقات النور التي أضاءت جوانح عقولنا. أسفا لك لأنك أتيت في عالم أصابته "اللوثة الحضارية Culture shock" حين بزوغك في فجر المعرفة، فلم يعرف قيمتك ولم يعطك حقك. آن الأوان لك أن ترحل عن عالمنا لأنك لم تستطع أن تمهد لدخولك بيوتنا وقد قال الله - عز وجل - (لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِها) الآية. وها أنت دخلت بدون استئذان، وهذا ما أوقع الكثير في سوء فهمك وفي سوء التعامل معك.
عزيزي "دوت كوم": يمكنك أن تأتي لأجيال بعدنا يقدرون قيمتك ويعرفون متى تفتح نافذتك ومتى تغلق. إنك اليوم تعمل على تفسخ العلاقات بين الأزواج، وتلهي الشباب، وتضيع الوقت الثمين، وتسرع في توسيع فك الروابط الحميمية بين البشر، وهذه ضريبة الصدمة الحضارية. قوم رؤوا فجأة هذه الطفرة الحضارية وكما يقول المثل الشعبي: "طيحة فقير في مد شعير".
ولذا، فعليك عزيزي أن تعمل مسافة بينك وبيننا، وأن أردت أن تنهي علاقتك بالآخرين سريعا فيكفيك (آلت إف فور) أو تعود سريعا (باك سبيس)، لأنك أصبحت في عالمنا اليوم مزعجا ومتطفلا، فلا بد من عملية (ديليت) لكي تكون الصورة كلها (فول سكرين) وبدون (أنتي فايروس)!
عذرا أعزائي القراء الكرام لاستخدام هذه اللغة ولكن بدافع اقتحام حياته كما اقتحم حياتنا، فهو لا يفهم إلا لغته وفرضها علينا فرضا والمثل يقول: "من عرف لغة قوم أمن شرهم". وشرور الضيف تساوي منافعه المثل البدوي يقول: (ما من دخيل سعة لو جا وميره معه).
عزيزي لم أتجرأ وأرسل لسعادتكم خطابي هذا إلا بعد أن رأيت ما يبكي وما يضحك في مجتمعي الذي كان يعطي العالم دروسا في الحب والعواطف الجياشة، والترابط والتلاحم والحميمية والتزاور والمعايدات في جميع المناسبات. أما بعد دخولك بيننا أصبح الناس في بلادي لا يرون بعضهم إلا فيما ندر، لأنك أعطيتهم صدرك العاري، فبضغطة على أحد أزرارك صار يعزي ويعايد ويزور ويحب ويكره (هاندميد) يعني صناعة يدوية توفر على الواحد منا أن يطرق باب أخيه أو يذهب لتناول فنجان القهوة مع صديق!.
عزيزي، أذكر قبل أن تشرفنا بزيارتك لبلادنا كان (المهراس) - الهون يعني - يطلق رناته بالعزف على أطرافه الحاسية، فيعلم من في الحي أن هناك نارا تشب وأن هناك فنجانا يُعَد، وأن رنة المهراس هذه ما هي إلا إيذان بصنع القهوة ودعوة لمن يحب أن يأتي للمشاركة في شربها، حينها يفد المحبوب والجار والقريب والبعيد لشرب القهوة. وحينها يناقش كثير من الأمور وينجلي كثير من الهموم وتحل كل المشاكل على فنجان قهوة. أما رنتك أنت فتختلف، إنها رنة تنادي على أن يبقى كل واحد في مكانه، ويكتفي برنين من نوع خاص إنها رنات الاكتفاء الذاتي وليبقى كل في مكانه! وهذا هو المطلوب في بلادك وليس في بلادنا.
لم يعد لدى الشباب منا وقت للقراءة والكتابة والتأمل والإبداع، فالكل محملق في شاشتك الصغيرة وكأنها البلورة المسحورة التي كنا نسمع عنها في حكايات جدتي، ولكن مع الفارق لأننا نحن الذين أصبحنا المسحورين، بما لديك من مهارات ومن أدوات ومن غيبة ومن نميمة ومن تحريض ومن كذب يصدقه الأغبياء أمثالنا، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، فاستخدمناك قي التشهير والفضائح والتزوير، والنكاية، والانتقام! أما سمعت عن ما أسموه في بلادنا بثورات الربيع العربي؟! وكيف استخدمتك فئة ضالة لا تعرف للحق سبيلا؟ ألم تعلم أنهم استخدموك في التضليل والحشد واللف والدوران حتى انكشف أمرهم وانفضحوا، فلم يستطع الشباب إلا الترويج والكتابة على صدرك بما لا يليق بعروبتهم التي لا يعرفونها، وتعاملوا بشيم لم يعرفوها، والسبب أنك دخلت إلى بلاد الأعراف بأدوات وأزرار وكلمات تقنية لا تعرف الأعراف، فضللتنا عن الطريق، وضللت أنت مسارك الذي أتيت من أجله. من أجل التواصل، والعلم واستقاء المعرفة وطوي العالم بين ردهاتك بما فيه من معارف تسهل لنا الحصول عليها بضغطة زر!
أصبح لدينا إدمان على "النت" ونحتاج إلى مصحات من نوع خاص "مصحات للعلاج من الإدمان الإلكتروني"، بعدما أفصحت الأبحاث العلمية أنك تسبب - حسب الجمعية الأميركية للطب النفسي - مرضا يعانى فيه المريض من عدة أعراض هي:
1. عدم الشبع من استخدامك وقضاء أوقات طويلة معك.
2. إهمال المستخدم للحياة الاجتماعية والالتزامات العائلية والوظيفية.
3. ظهور آثار اضطرابات نفسية كالارتعاش وتحريك الإصبع بصورة مستمرة.
4. القلق والتفكير المفرط في الإنترنت وما يحدث فيه، والشعور بالحزن والاكتئاب لعدم الاتصال به.
نقاط أربع نقلتها كما هي من إحدى الدراسات العالمية بشأن إدمانك:
عزيزي، لقد فضحتنا في مجالس الرجال! فأصبح الواحد منا في مجلس الرجال وفي المناسبات وفي المؤتمرات وحتى في مجالس الشعب والشورى يحملق في شاشتك منفصل عن الآخرين، وكأنه في أحضان معشوقة لا يستطيع فراقها. ونحن في بلادنا نقدس مجالس الرجال ولها ما لها وعليها ما عليها من العيب والشرهة "والمنقود" كما يقال.
الحضارة دائما تخلد تاريخها بالنحت والنقوش؛ فالحضارة الفرعونية تتميز بالقراءة والكتابة، فرأينا ذلك مخلدا في رمز الكاتب المصري القديم في المتحف المصري وربما مثيله في متحف اللوفر أو ليدن. والحضارة العربية تميزت بالفروسية، فنرى ذلك في ردهات المتاحف العربية والغربية لتماثيل الفرسان على صهوة خيولهم. أما الآن فأخشى أن تكون حضارتنا منحوتة في العصور القادمة لتمثال رجل يحملق في صدرك.!
فهل أنت مصر على البقاء بيننا بعد كل هذا الهراء؟