وجدت نفسي أظن أن تيرى جونز عربي يعيش بيننا. فللأسف الشديد أصبحت الشهرة غاية يريد الوصول إليها بسرعة الصاروخ من هو أقل علماً وخبرة. فإذا أراد مبتدئ الشهرة بين الناس، فما عليه إلا أن يأتي برأي شاذ وغريب مبني على فكر أحادي يُقصي آراء الآخرين. وعندما ينشر الإعلام هذا الرأي، فسوف يقرؤه الناس ويعلّقون عليه لأنه مخالف ولا يقبله علماء الإسلام، ومن ثم تزداد الاعتراضات عليه في المجالس وفي منتديات الإنترنت. عندئذ يتخيل صاحب الرأي المخالف ومعه مريدوه أنه فعلاً شيخ.. وأنه عالم زمانه ولحمه مسموم!
يدرك من يريد الشهرة أنه يتعين عليه أن يقدم أعمالاً ثمينة ومفيدة لأحوال الأمة وتحمل إجابات غير مسبوقة، مستنبطة من دراسات لعلماء كبار في المذاهب الإسلامية وفروعها على مر العصور. لكن سرعان مايفيق على حقيقة مرة وهي (ضعف البضاعة) فالتخصص عادي والشهادة وحدها لا تكفي حتى لو كانت من فئة الدكتوراه ذات المرتبة الأولى. فيسأل نفسه: كم عدد السنوات التي أحتاجها حتى أصبح عالماً حسب المعايير التي وضعها فقهاء الإسلام.. وهل أقدر على تحمل طول مدة هذا الانتظار؟
بالتأكيد لن يسمع أية إجابة.. وحتى لو أنه استمع إلى منطق العقل، فإن الإحباط لا يعرف طريقاً إليه، فهو لا يأتيه من داخله ولا من محيطه. فسرعان ما يقرر اختيار الطريق الأسهل للشهرة متناسياً الاعتراضات التي هاجم بها علماء من خارج الحدود بحجة عدم التخصص. وبدلاً من التفكير فيما تحتاجه الأمة لمواجهة مشاكلها، يأتيها متعجلاً بأفكار شاذة تزيد من إلهاء الناس عن التفكير الإيجابي في أحوال مجتمعهم.. ويدخلهم في قضايا تزيد الفرقة والاحتقان.
ترى هل نحتاج إلى دليل يؤكد لنا خطورة الشهرة المبنية على المخالفة؟ لا أجد مثالاً أوضح من حالة القس الأمريكي Terry Jones صاحب الكنيسة الصغيرة ذات الـ (50) تابعاً الذي أفتى بحرق القرآن الكريم. وفي ثوان معدودة أصبح أشهر شخصية في الكرة الأرضية كونه جاء برأي مخالف، اعترضت عليه الإدارة والساسة ومعهم معظم الشعب الأمريكي. وتصفحتُ معظم مواقع الكنائس الأمريكية فوجدتها تدين هذا الرأي الشاذ. وبرغم ذلك حقق لنفسه شهرة عالمية وهي شهرة مسيئة بالطبع لكنها فتحت لنا الطريق أمام حقيقة جميلة وهي أنَّ الشهرة ليست دليلاً على العلم، فالعلم يقاس بما يقدمه الانسان من فائدة.. وما يعزز روح الانسجام والتوافق لمجتمعه.