تبرع الملياردير بيل غيتس مؤخرا بمليار ريال، للبنك الإسلامي مساهمة منه في المجهودات العالمية لمكافحة شلل الأطفال وذلك امتدادا لمجهوداته في العمل الخيري الذي تبناه منذ أعوام بعد أن قرر التخلي عن دوره القيادي في إدارة شركة مايكروسوفت التي أسسها قبل عقود، والتي استطاعت أن تدخل جهاز الحاسب الآلي لكل بيت وهو الحلم الذي كان قد أعلنه في بداية بزوغ نجمه كرجل أعمال صاحب رؤية عالمية.
في زيارته الأولى للملكة في عام 2006، كانت لي الفرصة لمقابلته ضمن ثلاثة صحفيين سعوديين يلتقون به على هامش مشاركته في منتدى التنافسية الأول، وقد كنت قد تابعت مجهوداته في العمل الخيري في وقت كان تركيز الإعلام التقليدي على طرح شركته للمنتجات التقنية وطرحها لمنتج "فيستا" الذي لم يحقق نجاحا كما اكتشفا لاحقا.
في ذلك الحديث الذي نشرته صحيفة الشرق الأوسط تبين لي أن الرؤية العالمية تحتاج لشخص يحمل هما عالميا وهو الشيء الذي ينقص الكثير من القيادات الاقتصادية المحلية والعربية، فجل رجال الأعمال العرب يستخدمون المسؤولية الاجتماعية باعتبارها وسيلة تسويق تخدم مشاريعهم التجارية، لا جهدا حقيقيا يقومون من خلاله بتغير العالم والتأثير عليه بشكل إيجابي، وبالتالي فالدعم الذي يقدمه بين الحين والآخر ذلك التاجر أو ذاك الصناعي غالبا ما يموت مع انحسار التغطية الإعلامية أو الاهتمام الرسمي به.
كانت بداية غيتس الخيرية قد بدأت في مجهوداته وشركته في مجال التعليم والارتقاء بالمجتمع وزيادة مهاراته وتوسيع مداركه ومحو الأمية على جميع الأصعدة وذلك عبر تسهيل المعرفة بالتعليم والتدريب، إضافة لمجهوداته في الخدمات التقنية التي تقدم لذوي الاحتياجات الخاصة التي تسهم في انخراطهم في المجتمع وتحويلهم لعناصر فاعلة ومؤثرة لا عناصر سلبية متكلة.
تبرع هذا الرجل الذي لا يجمعنا به لا دين ولا عرف ولا قومية، أحرج رجال المال المسلمين دون شك وهو تبرع يؤشر إلى أن العمل الخيري يجب أن يكون محركه النزعة الإنسانية في المقام الأول، لا النظرة القاصرة، وأن النظرة المحدودة لمفهوم خدمة المجتمع والإنسانية تتجاوز في أساسها الروابط الدينية والعرقية، فانتشار الإسلام ومبادئة الخيرة عبر العصور أتى أساسا من خلال هؤلاء الذي جسدوا الخير الذي في ديننا الحنيف مع جميع الأقوام قريبهم وبعيدهم، ودخول الملايين من البشر إلى ديننا كان من مسبباته وجود سفراء حقيقيين للمعنى الذي يعمل على تحقيقه هذا الدين العظيم، وبالتالي فتبرع رجل غير محسوب على ديننا لمعالجة أمر يمس مجتمعنا هو انعكاس عملي للعمل بروح الإسلام الحقيقي.