أهم التغييرات والأفكار الإبداعية في الفن والأدب قادتها تيارات وجماعات فنية أسست ورسخت لأفكارها في الفن والحياة والكتابة؛ رأى أفراد هذة الجماعات أنهم متقاربون في الأفكار، مما أثرى الحياة والفن والإبداع بكثير، لكن توظيفات مصطلح "الجماعات الفنية" الذي تحول في الذهنية النقدية العربية إلى ما اصطلح عليه شيوعا "الشللية"، المصطلح المربك المرتبك الذي يوظف دوما في سياقات تذمّه وهو الإطارالاجتماعي الإنساني، يحاول كثيرون صبغه بأحكامهم القاسية، ويسوقونه كمبرر رئيس لحالة السوء التي تسيطر على مناخات ومجالات إبداعية وإنسانية كثيرة، سواء كانت شعرا أم فنا أم رواية أم حياة أم رياضة.

ومن وجهة نظر شخصية أرى أن "الشللية" من أهم دوافع الإبداع إن لم تكن أكثرها قوة، إذ تحفز أطرافها نحو مزيد من الجهد وتقودهم إلى مستويات متطورة من الوعي والتصاعد التدريجي في مستوى ونوعية نتاجاتهم، كما أن "الشللية" توفر حالة "أمن جماعي"، وتؤثر في محيطها إعلاميا بصورة أكبر، إذ يمكن ترويج الأفكار وإيصالها بشكل أوضح، و"الشللية" نقيض للفردية، حيث تلغي الأنانية؛ لذا فالمجموع هو الأهم مقابل الفرد، وبالنظر إلى تاريخ الجماعات الفنية والإبداعية، نرى أنها صنعت عبر هذا المفهوم حالة من الرواج، وقدمت نفسها للإبداع الإنساني كقيمة أصيلة مستديمة استطاعت توفير بيئة تخصها وسط محيط الأفكار، وما "الدادائية"، و"السريالية" و"الوجودية"، وما إلى ذلك من جماعات الفن والفلسفة والسياسة، وكذلك الجماعات الأدبية النقدية، مثل حلقة براغ وفرانكفورت والفن الحديث، إلا نتاج هذا المفهوم وتلك الرؤية، وإذا نقلنا ذلك مقارنين في الثقافة العربية، فإننا نرى أن أهم نتاجات الشعر والفن والأدب والإبداع انطلقت عبر جماعات كمجلة "شعر" و"الآداب"، إضافة إلى أجيال الشعر والرواية، حداثة الأربعينات وجيل الخمسينات، "جماعة كركوك الشعرية" في الخمسينات، وحرب لبنان في الثمانينات وقبل ذلك تيارات ومدارس المهجر؛ من أجل ذلك فإن "الشللية"، التي يتذمر منها كثيرون يجب ألا تثير الخوف؛ لأنها عامل شديد الإيجابية من جملة عوامل أخرى تسهم قطعا في تحريك الراكد، وتحفيز الجميع نحو الإبداع، ويبدو أن من سوق للشللية كمفهوم سلبي غاب عن باله كل هذا التراث الكبير لمفهوم الجماعيات الإبداعية، التي ربما سبقت مفهوم النقد في الظهور، لكن التغييرات العميقة التي أصابت أوروبا النهضوية ومن ثم الصناعية وما نتج عنها فكريا ونقديا وسلوكيا من إعلاء للفرديات وتراجع الجماعيات، أورث هذا الالتباس النقدي الذي تم استيراده.

طبعا لا أقصد "الشللية"، كمصطلح حرفي، لكن "فكرة الجماعات الفنية" إجمالا، وما لم تتوافر المناخات العامة شديدة الحرية وشديدة الإيمان بالفرد سلوكا وأفكارا وتجربة، فإنه لا يمكن إنجاز ما هو فردي بشكل واضح ومستوف، فالفضاءات الجماعية تقود للسلوك الجماعي قطعا.