من يظن أن "الإرهاب والعنف والتكفير" يولد هكذا بلا مقدمات، فهو لم يعرف إلى الآن كيف تتشكل العقلية الإرهابية والتكفيرية، ولا يدرك أن هناك مقدمات ضرورية؛ حتى يصل الإنسان إلى حالة من الانحراف الفكري الذي يولد تبعا سلوك العنف والقتل والتدمير.
إن العقلية الإرهابية التكفيرية تصنع كما يصنع غيرها من المنتجات، لا تخرج هكذا للتاريخ فجأة، وهي ليست ذات عامل واحد يؤثر فيها، ولكنها عدة عوامل تجتمع لتصنع هذه الشخصية "الداعشية"، التي يكون السحل والوعيد والقتل والتهديد هو أيدلوجيتها التي لا يمكن أن تتخلى عنها، فهو دينها الذي لو تركته لضلت السبيل وخلعت ربقة الإسلام من عنقها.
إن من أكبر العوامل التي تصنع العقلية "الداعشية" توافق الطرح الفكري الغالي مع الشخصية القابلة له نفسيا، فقلما نجد من يتجه إلى التكفير وهو ذو طبيعة هادئة وموادعة، فالطبيعة النفسية تتحكم في أحيان كثيرة في طبيعة الاختيار الأيدلوجي، وهكذا يتم تجنيد الشباب بناء على طبائع نفوسهم وفوراتها العاطفية، التي تتلقى الخطاب فتحمله بعنف ثم تتبناه ولا تحيد عنه، حتى لو أدى ذلك إلى فقدان حياتها والتضحية بها.
وكثير من أصحاب الأطروحات الدعوية هم في الأساس يتبرؤون من الخطاب التكفيري الغالي، ولا يؤيدون التكفيريين نظريا، ولكن مقرراتهم الفكرية وخطاباتهم وسلوكهم وألفاظهم توصل في النهاية إلى خلق حالة من حالات الغلو والشطط الفكري والسلوكي، فتقرير مسائل الأسماء والأحكام وما يتعلق بقضايا "الكفر والإيمان" دون تفصيل، وكثرة الأحكام العينية على المخالفين بالتبديع والتفسيق والتكفير، والشدة على المخالفين في المسائل الشرعية والاجتهادية، والعنف اللفظي تجاه المخالفين وإهدار قيمة الاجتهاد المقبول فقهيا وعقديا، والحط من قيمة المخالف فيه، والانتقاء من السابقين أحكامهم العينية دون النظر في سياقاتها وظروفها وانتزاعها من بساط حالها دون تفصيل ولا إيضاح للشباب والمتلقين، والشدة في الإنكار وتربية الناس عليه دون تمييز بين المسائل المجمع عليها والمسائل المختلف فيها، وإقحام الشباب في قضايا لا تتفق مع مستوياتهم الذهنية ولا العمرية، بحيث يقومون بمسؤوليات الكبار، وفي مقابل ذلك تبسيط انحرافات الجماعات الغالية، وحملها على الاجتهاد في الأقوال والأفعال، وعدم الوضوح في النكير عليها في قضايا التكفير والقتل، مع ما يصاحب ذلك من تغاض عن جرائمها الكبيرة، خاصة فيما يتعلق بتكفير المسلمين حكاما ومحكومين
والتذمر من ذكر أخبار "الخوارج" وعقائدهم وفرقهم، كل ذلك يصنع من الشاب أرضية خصبة؛ لأن يلتحق مع هذه الجماعات، خاصة أنها "تقول بقول خير البرية"، وترفع معاني سامية جاءت فيها نصوص الشرعية مثل "الجهاد" و"نصرة المسلمين"، مع التغاضي عن جرائمها الكبيرة، خاصة فيما يتعلق بتكفير المسلمين حكاما ومحكومين بحجج واهية تلمع صورة هذه الجماعات وتغري الشباب بالالتحاق بها.
إن إصلاح "الخطاب الديني"، وإدراك خطورة مآلاته على المتلقي، والوضوح في الموقف من الانحرافات الفكرية، خاصة التي تعرض باسم الشريعة والدين، لهو نوع من تجديد الدين وإصلاح ما طرأ عليه من تصورات خاطئة، وهو نوع من الجهاد الشرعي الكبير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". رواه البيهقي.
هذا الكلام هو بالنسبة لأولئك الذين يخالفون هذه الجماعات الغالية نظريا وعمليا، ولكنهم يؤثرون في خلق البيئة من خلال "طبيعة الخطاب" الذي يهيئ لقبول فكرهم وطريقهم، فكيف يكون الحال بأولئك الذين يوافقونهم في أفكارهم، ويرون أنهم جزء من الاجتهاد الشرعي المقبول، بل ويثنون على قادتهم ومنظريهم ويوافقونهم في تنظيراتهم، إلا أنهم قصروا عن مشاركاتهم في أعمالهم.
إن هؤلاء هم الخطر الحقيقي الذي يحتاج إلى عناية واهتمام في نقاش هؤلاء والتواصل معهم وإقناعهم بخطأ طريقهم بالحجة والجدال واللقاءات المتواصلة وإعلان النكير عليهم وأن طريقهم طريق ضلال وانحراف؛ لأنه لا اجتهاد في تكفير المسلمين ولا في دمائهم، بل هو طريق الخوارج الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم في عشرة أحاديث صحت عنه عليه الصلاة والسلام.