يقول علماء الإدارة إن الفجوة بين الدول هي العقول التي تدير، لا يكفي أن يكون لديك علماء ذرة، أحياء، هندسة، أو ما يملأ الدنيا مالا وأنت لا يوجد لديك رجال أكفاء يديرون لك كل هذا؛ لأنك ستظل تقع في الأخطاء وتنتهي بصفر تقدم.
أهم ما تتعلمه في الإدارة هو صناعة القرار، ولطالما تساءلت عن أهمية كل تلك الخطوات التي يصر عليها الإداريون عند اتخاذ القرار مهما كان صغيراً أو مؤثراً، لكن كل ما راقبت المشهد السعودي اتضحت الإجابة.
ربما 18 ألف طالب في بريطانيا ليسوا سوى نسبة بسيطة من السعوديين في هذا العالم، لكن ما يحدث الآن بينهم وبين بعضهم من جهة وبين الملحقية من جهة أخرى جدير بالوصف، كما أني ككاتبة رأي وكطالبة في علم الإدارة أجدني ملزمة بكتابة رأيي؛ لأن ما يحدث هو سلوك إداري يستحق التوقف عنده وتحليله لأجل الوطن أولا وأخيرا.
بدأ الأمر منذ اليوم الذي اغتيلت فيه زميلتنا ناهد المانع، رحمة الله عليها، في هذا اليوم انكشف للجميع ما عاشه الطلاب والطالبات المبتعثون إلى بريطانيا من تجربة مع الملحقية الثقافية في لندن خلال عامين.
كان يبدو للجميع أن ملحقية لندن تسير وحدها بعيدا عن نسق باقي ملحقياتنا في الخارج، ولعل أبرز قراراتها الذي تضرر منه 3 آلاف طالب وطالبة، هو إيقاف الصرف عن المرافقين. لقد كان واضحاً أنه قرار ـ رغم خطورته ـ اتخذ من شخص واحد دون الرجوع لدراسة من قبل لجنة تحصر المتضررين وتدرس الآثار، بل قبل كل شيء تدرس القانون البريطاني نفسه في مسائل الإقامة و"الفيز".
إن الطالب الذي يقدم لبريطانيا لدراسة اللغة مثلا ولا يحقق درجة "الايلتس"، في السعودية لا يستطيع إحضار أسرته لبريطانيا سوى لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، لذا يعيدهم إلى السعودية وهو ملزم بالصرف عليهم، فكيف يوقف عليه أكثر من ثلثي راتبه، وكذلك الفتاة لا يحق لها إحضار مرافق إلا إذا كان زوجها، لذا يقوم الآباء بتقسيم هذه الستة أشهر طوال السنة الدراسية ويذهبون ويعودون، فكيف تهدد بقطع راتب المرافق خلال 3 أيام، وهو يمثل نصف الراتب، بل كيف تعاقب الطلاب بتغريمهم وتقتطع من رواتبهم ما صرف في مدة سابقة؟ بل السؤال الأهم أين دورك كملحق وكسفارة ووزارة خارجية مع الحكومة البريطانية لتمنح الطلاب السعوديين امتيازات في "الفيزا والتأشيرة"، وأنت وطلابك أنعشتم اقتصادها بضخ المليارات.
غير هذا القرار، كان هناك قرار تمثل في تهميش الأندية الطلابية التي هي المظلة الرسمية للوجود الطلابي في الخارج، في المقابل تم إنشاء الجمعية العلمية بقرار ارتجالي جعلها كيانا مناظرا للأندية، وهذا خطأ استراتيجي يشتت الجهود ويخلق صراعات بين المبتعثين لسنا في حاجة إليها.
أيضاً، السماح لجمعية الإعلاميين السعوديين في بريطانيا بوصفها جمعية طلابية مستقلة عن أي إشراف من قبل جهة الاختصاص في السفارة والممثلة في الملحقية الثقافية، وبدون وضع ضوابط مهنية لعملها يتماشى مع توجهات الدولة في المقام الأول، سوف يجعلها هدفا مباشرا لكل من أراد أن يهدم مصالح المملكة، بالاستناد على ما لهم من وجود في الإعلام السعودي والبريطاني.
ونتيجة لتذمر الطلاب لجأ الجميع للسفير سمو الأمير محمد بن نواف رعاه الله، كونه المرجع الأول للسعوديين في بريطانيا، وقد تفهم ووعد بالإصلاح، ومن ضمن ذلك قرر إعادة الهيئة الإدارية للأندية لتمارس دورها في الإشراف على شؤون أندية الطلبة.
وهي تبقى ـ في النهاية ـ كيانا طلابيا، وتحتاج إلى إدارة ورقابة على أعمالها، خاصة فيما يتعلق بإدارة أموال الأندية؛ لكي لا تذهب إلى تحقيق مكاسب شخصية في غياب الرقابة، ولعل التجربة السابقة لعمل الهيئة تعطي مؤشراً بألا تعود لممارسة دورها الإشرافي على الأندية بالشكل الذي كانت عليه، مما يضع علامة تعجب كبيرة. فلابد أن تمارس الملحقية الثقافية دورها في إدارة شؤون الأندية من خلال وحدة متخصصة يعين عليها ذوو الكفاءة من الدبلوماسيبن، وتمنح الصلاحيات الكاملة في عملها، وأن تضم كافة الأنشطة الطلابية العلمية منها والإعلامية والثقافية والاجتماعية، تحت كيان واحد اسمه: "أندية الطلبة" كما هو معمول به في كل دول العالم، بما لا يخلق كيانات متصارعة ذات أهداف خاصة لا تمت بصلة إلى الهدف العام، وهو تقديم صورة السعودي في دول الابتعاث.
إننا طلابا وطالبات، نثمن لسمو السفير وقوفه بجانبنا، ووعوده بتحسين أوضاعنا، ورفع القرارات التي عانينا منها، ونأمل أن تغير الملحقية من سياساتها، فنحن وهم فريق متكامل لا يستطيع أن يتقدم وطرف منه يعاني.