هنا سأتحدث عن رمضان، شهر الصوم الكريم الذي قمنا بتفريغه من مقاصده، وحولناه إلى شهر الأكل والشرب والكسل والتأجيل، وربما التسويف لما بعد رمضان بحجة أننا صائمون، نعرف أن المجتمعات مع مرور الزمن تتحول بفعل تبدل الزمن، وبفعل الاحتكاك بالثقافات وبالمجتمعات الأخرى، وتحول المجتمعات سمة بارزة في كل مجتمع، والتحول في المجتمعات خليط بين المقبول واللا مقبول، بين ما يكون منسجماً مع ما في المجتمع من عادات وتقاليد وحتى من مُثُلْ وقيم وحتى من معتقدات، وبين ما لا ينسجم مع كل ذلك، وعلماء الاجتماع يعرفون ذلك جيداً، ويحاول كل مجتمع إما أن يتماشى أو يرفض بعض تلك التحولات أو يستوعبها أو يحاربها، ويعود كل ذلك إلى نوع التحولات وطبيعة كل مجتمع..
ومن التحولات اللافتة للانتباه ما يجري في مجتمعنا في شهر رمضان ليس فقط الآن في عصر العولمة وتأثيرها الكبير على تلك المجتمعات بحكم وسائل العولمة المختلفة، وسهولة انكشاف المجتمعات على بعضها، ليس لهذا فقط بل طرأت على مجتمعنا تغييرات جذرية منذ ما قبل العولمة، قبل ما يقارب جيلا أو قبل ذلك بقليل لم يكن يميز شهر رمضان التركيز على الأكل واستنفار الأسواق وهجمة الناس عليها لتكديس الطعام في مخازن البيوت وازدحام المحلات التجارية بالناس لهذا الغرض، وكأن الناس مقبلون على مجاعة، ولم تكن هناك حجج لتأخير العمل أو الإنجاز بحجة الصوم وأننا في رمضان، ولذلك لا بد أن نكون كسالى ومتبلدين ولا نستطيع الإنجاز، ولم يكن السهر السمة التي تميز رمضان حتى أصبح الناس مستيقظين كل الليل في السهر نائمين كل النهار، لم تكن هناك ساعات متدنية للعمل في رمضان تبدأ في وقت متأخر من اليوم حتى يفسح للساهرين المجال للنوم والاستيقاظ المتأخر، حتى المدارس كانت أوقاتها في رمضان هي أوقاتها في بقية أشهر العام الدراسي.. الذي كان يتغير في رمضان هي الروحانية فقط، قراءة القرآن وصلاة التراويح بعد صلاة العشاء ثم صلاة التهجد بعد منتصف الليل.
ومن ضمن الذكريات الجميلة في الطفولة أننا كنا نكلف بخدمة المصلين بالماء والقهوة في فترة الراحة أثناء صلاة التهجد، كان ذلك إلزاماً إذ يصحبنا الآباء - عليهم رحمة الله - إلى المسجد بل يتفقدوننا بالاسم، مع مرور الزمن وما نشهده الآن أن الروحانية أصبحت شيئاً ثانوياً وأصبحت هناك مظاهر بارزة لهذا الشهر الكريم يتم التركيز عليها والإعداد لها حتى أصبحت تلك المظاهر مرتبطة برمضان، وهو مرتبط بها.. أعرف أن بعض التحولات هجمتها شرسة، ولا يمكن تغييرها بسهولة لكن يمكننا تحويلها وتغيير مسارها إلى الأفضل..
هناك مثلاً ظاهرة التركيز على الطعام، لا نفهم أسلوب التكديس الذي يتم قبيل رمضان وفي بدايته للطعام.. لماذا؟ في كل الأحياء بقالات وقريبة منها أسواق ونمارس خلال العام وفي بقية الأشهر عادات شراء الاحتياجات بطريقة معقولة.. ونسأل لماذا لا تستمر هذه الطريقة في شهر رمضان؟ الدبرة يا قوم.. وظاهرة التركيز على نوع خاص من المشاهدات في التلفزيون، لست ضد التثقيف، ولست ضد التلفزيون، ولست ضد المسلسلات، لكنني أريد استغلال حب الناس للمشاهدة في تحويل المشاهدة إلى ما يفيد ويمتع.. هناك من قصص البطولة وبث القيم من شجاعة وكرم وخلق وتفانٍ وإثرة وحب وسلام وتسامح إلى غير ذلك من المثل والقيم الممزوجة بالمتعة التي يمكن التركيز عليها في رمضان، لا أظن أن أحداً منا يود مشاهدة الرقص على سبيل المثال في أحد المسلسلات الرمضانية، ولا ما يتعارض مع المثل والقيم، بعض المسلسلات التي بثت سير بعض الذين صنعوا التاريخ الإسلامي وأسهموا في رفعته نالت حيزاً ضخماً من المشاهدة، وبعض من صنعوا بطولات على كل المستويات سياسية أو بث القيم أو لهم إسهامات أدبية أو علمية أو حتى الجوانب الممتعة من الفكاهة والجوانب اللافتة التي تنم عن تميز لها جمهور عريض.. التسابق المحموم الذي نراه الآن لا أظنه يتناسب مع شهر رمضان في الوقت الذي لا نريد الإلغاء لكن التحول إلى ما يتناسب مع هذه الشعيرة العظيمة..
أما ما يخص السهر وتبديل الدوام فربما "ما لا يدرك كله لا يترك جله" ديننا دين وسط، ربما يؤخذ بين ما يجري الآن موقف وسط، لكيلا نساعد على مظهر السهر فقط لمجرد السهر ولمجرد أننا في رمضان لذلك يجب ألا ننام الليل، هذا شيء غريب، حتى إذا ما أعطاك أحدهم موعدا متأخرا من الليل يقول لك نحن في رمضان، وكأن رمضان ارتبط بالسهر، وإذا ما سألت أحدا عن عمل يقول لك رمضان كريم.. كحجة للكسل والتبلد وليس رفعةً لقدر هذا الشهر، هذا الغريب..
وخلاصة القول أرى أننا بكل ذلك نقوم بوعي أو بدون وعي بتفريغ هذا الشهر الكريم من مقاصده العليا وتحويله إلى شهر الأكل والشرب المفرط والكسل والتظاهر بالإعياء والتعب كمبررات لعدم الإنجاز والتأجيل والتسويف الذي اقترن بالشهر الكريم، وتأجيل كل ما يطلب إلى ما بعد رمضان، هذه ليست أخلاق هذه الأمة الكريمة ولا يأمر دينها بذلك، ولا يشجع عليه، كانت بعض غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - في رمضان ومنها غزوة بدر الكبرى، فكيف نؤجل ونسوف بحجة رمضان وحجة الصيام.. لنعيد التفكير في ممارساتنا في رمضان بما يجعلنا نعطي هذا الشهر الكريم ما يستحقه، جعلنا وإياكم ممن يقال لهم: اذهبوا فأنتم عتقاء من النار.