لست من المؤيدين للحملات الموجة ذات الأهداف المبطنة والأجندات الانتقامية؛ التي يقودها بين الحين والآخر بعض المحسوبين على التيارات المناهضة للانفتاح على العالم، التي ـ غالبا ـ ما تتزامن مع مواسم معينة أو أحداث بعينها في مسعى للنيل من جماعة أو أفراد أو توجه، لا لأنها فقط تتعارض مع المبادئ التي أؤمن بها في حق الجميع في عرض ما لديهم من منتجات وإن اختلف حولها البعض، ولكن لأنها تعمل على سلب الآخر حقه في الحصول على المعلومة والترفيه المقبول من الأغلبية.

أستغرب كثيرا، بل أجد أنه تناقض غير مفهوم أن نجد هؤلاء يطالبون بمقاطعة قنوات الأخبار أو الترفيه العائلي، وفي الوقت ذاته لا يقومون بحملات مشابهة في دعواتهم لمقاطعة بعض القنوات التي تدعو للعنصرية أو الطائفية أو المناطقية في وطن تشكل وتكون أساسا من أطياف مختلفة، ومن خلفيات إثنية وفكرية متعددة، وهو الأمر الذي يدلل على أن هناك نزعة غير معلنة، ولكنها واضحة في تأصيل مبادئ يرونها تتفوق في نظرهم على مبادئ الوطنية ووحدة مصير المواطن.

الخطر الذي يزعمون أن تلك القنوات الماجنة ـ على حد وصفهم ـ تنفثه في المجتمع، يدور أساسا حول بعض الأمور الاجتماعية التي يعتقدون أنها عماد الأمة، فدعوة تلك القناة ومدافعتها مثلا لحق المرأة في القيادة يرونها خروجا عن الدين، وأن البرامج الترفيهية التي تتشكل وفق "الفورمات" الغربية ماكينات لزعزعة الانتماء للدين، في وقت يعلم الجميع أن الانفتاح ـ وإن شابه بعض التجاوز ـ لا يمكنه أن يهد أو يزعزع دينا قويا استطاع أن يصمد عبر أكثر من ألف وأربعمئة عام في وجه كل التقلبات الفكرية والسياسية التي شهدها التاريخ.

المخزي في الأمر، أن جل هؤلاء الدعاة الذين يحملون لواء محاربة القنوات التي يصفونها بالخارجة عن المثل والمبادئ المجتمعية، سبق لبعضهم أن ظهروا على شاشاتها، واشتهروا عبر قنواتها، فإن كانت بهذا السوء الذي يصفونها، فلماذا ارتضوا على أنفسهم أن يكونوا جزءا منها؟ هل الأمر هو: "يا تطلعوني يا أزعل؟".

الحقيقة التي لا تقبل الشك، هي أن هذه الحملات التي تعمل على محاربة القنوات ذائعة الصيت والانتشار، ما هي إلا محاولات لتحريك حروب يصفونها فكرية، ويتزعمها أشخاص معينون، بينما هي في حقيقتها ـ وقد كتبت ذلك في الماضي ـ رغبة في العودة لواجهة المشهد الإعلامي التقليدي منه والجديد؛ لكسب متعاطفين ومتابعين وبالتالي زيادة أسباب وصولهم لجمهور أكبر، وتحقيق مكاسب إعلانية ومالية عبر حساباتهم وبرامجهم الدعوية الموجهة، التي تتقاطع مصلحيا مع تجار التسويق وممتهني ترويج المنتجات والخدمات.