لو سألني أحدهم: عرِّف رمضان؟، سأقول: بأنه خير شهر تقاس به ضمائر التجار، سأبرر تلك الإجابة بـ"بقالة العم سعيد"، بقالة الحي التي كان يعمل فيها "العم سعيد" بنفسه، حينها كان معظم أهل الحي يشترون "مقاضيهم" الرمضانية وغير الرمضانية من بقالة الحي، أي أن المنفعة كانت متبادلة بين أهل الحي والعم سعيد، فهو كان يؤمن لهم متطلباتهم بلا غش أو خداع، وهم كانوا يؤمنون له ولأسرته حياة كريمة.
كان العم سعيد يغض الطرف حين يأتيه زبون "كحيان ومنتف"، فيعطي أحياناً كثيرة دون أن يأخذ وأحياناً يسجل على الدفتر، أما في رمضان فقد كان هنالك شبه اتفاق بين أهل الحي والعم سعيد صاحب البقالة، اتفاق غير مكتوب، غير أن شاهده الله والضمير الحي، بأن يتبرع أهل الحي للعم سعيد ليقوم بدوره بتوزيع الأرزاق على كل محتاج من أهل الحي، بالإضافة إلى ما يتبرع به من جيبه الخاص.
آهٍ على الأطلال.. نعم، لن تعود "بقالة العم سعيد" إلى الحي، وطبيعي أن تتغير المفاهيم بتغير طبيعة الحياة في أي مجتمع، ومن المنطقي طالما المجتمع ينمو ويكبر وتتشعب فيه الثقافات والعلاقات أن لا تعود "بقالة العم سعيد" إلى الحي، بل المنطقي اليوم أن يتم استحداث هذه المتاجر الاستهلاكية الضخمة، فضخامتها دليل تمدد المدن وتكاثر الناس، استحداثها ضرورة حتى تُلبى متطلبات المجتمع، لكن كل هذا ليس مبرراً لأن تختفي مفاهيم كمفاهيم الأمانة والضمير بين المجتمع وهذه المتاجر.
نعم، هي متاجر ضخمة تلبي متطلبات المجتمع، متاجر تمتاز بالنظافة والتنسيق والإضاءة بالإضافة إلى اللوحات الإرشادية، متاجر يشعر الزبون فيها بالرفاهية، لكنها رفاهية مدفوعة الثمن، بالإضافة إلى ثمن اللوحات الإرشادية، سيدفع الزبون ثمن كل شيء حتى ثمن ابتسامة المحاسب وعامل النظافة.
كل شيء في متاجر اليوم أفضل بمراحل من الحال التي كانت عليه "بقالة العم سعيد" الصغيرة التي يعلو رفوفها الغبار، إلا أن الناس في الماضي كانوا أكثر سعادة وأقل تذمراً من اليوم، لماذا؟
لأنه في الماضي كان لكل حي بقالة أو بقالتان، بمعنى أن هنالك أسرة أو أسرتين في كل حي تعتاش على مردود هذه البقالة وأرباحها، فإذا عممنا هذا المبدأ على كل المملكة سنصل إلى أن آلاف الأسر في الماضي كانوا يعيشون على مردود تلك "البقائل" الصغيرة، أما اليوم فالمتاجر الضخمة على انتشارها في كامل المملكة إلا أنها مملوكة لقلة قليلة تستحوذ على كامل هذه التجارة وتستأثر بالأرباح.
ويا سيدي حلال عليهم، لنقل إن هذه هي ضريبة التوسع والرأسمالية القبيحة، لكن حتى في بلاد الرأسمالية هنالك قدر من الضمير لا يزال معمولاً به، فكثير من الكنائس في بلاد الغرب هي مأوى للمشردين ومعدومي الدخل طيلة العام، وإن جزءًا كبيراً من الطعام والشراب الذي يتحصل عليه المشردون ومعدومو الدخل في الكنائس يأتي عن طريق المتاجر الاستهلاكية الضخمة.
إن المتاجر الاستهلاكية في الدول الرأسمالية لا تؤمن بالتبرع أو الصدقات، لكنها تلتزم بدفع الضرائب تجاه الحكومة، تلك الضرائب تصرف في شتى المجالات الإنسانية كإطعام المساكين والمحتاجين، والمحتاج قد يكون من ميسوري الحال الذين يمرون بضائقة مالية موقتة فإن لم يجد ما يشتري به يستطيع أن يتحصل على مراده بطريقة يحفظ بها ماء وجهه، أما في بلادي فميسور الحال الذي يمر بضائقة مالية إن لم يجد من يقرضه سيلجأ حتماً لطرق يراق فيها ماء وجهه، أما إن كان مسكيناً فليدفع الثمن من كرامته غير مأسوف عليه.
إن كنا قد وقعنا في مطب استحواذ القلة على تجارة المواد الغذائية والاستهلاكية، فأضعف الإيمان أن يُنتزع من أرباح هؤلاء "بالقوة" إن لزم الأمر، وأن يصرف ما تم التحصل عليه منهم في شتى المجالات الإنسانية، مساجدنا التي ما عاد لها دور سوى للسجود والركوع فلنجعلها مأوى للمشردين والمحتاجين، ولنؤمن لهؤلاء قوت يومهم طيلة العام من أرباح تجار الجشع والطمع.
أين تذهب أرباح المتاجر الاستهلاكية الكبرى؟ لقد كان "العم سعيد" يعطي جزءا من الأرباح لأسرته حتى تخرج منها الطبيب والمهندس، وجزء آخر من الأرباح يستثمره للغد، وجزء ثالث كان يذهب إلى المحتاجين والمساكين، كان "العم سعيد" يغض الطرف إن لم يدفع الزبون، أما اليوم فزبون المتاجر الاستهلاكية الكبرى سيعامل كاللص إن لم يدفع حتى نصف الريال.
لا نريد من المتاجر الاستهلاكية الكبرى أن تغض الطرف في حال كان الزبون غير قادر على الدفع، لكن المطلوب منها أن تؤمن لمن لا يستطيع الدفع، ولكل محتاج ومسكين، طرقاً إنسانية يضمن بها الحفاظ على ماء الوجه. المطلوب من الحكومة ألا تجعل تلك القلة القليلة تهنأ بكامل الربح.