يسيطر على ليالي هذا الشهر الكريم نوع من الدراما المغرقة في تحلُّل الأخلاق، وانفصام العُرى بين ما هو مألوف وما هو شاذ وغريب على مجتمعاتنا. والمعروف أن الدراما هي العاكس الحقيقي لصور المجتمع، إلا أن الدراما لا تطرح المشكلة إلا عندما تصبح ظاهرة، والظواهر الاجتماعية تطرح نفسها غصبا عندما تشكل الشريحة العظمى من هذا المجتمع. إلا أننا نجد أن الدراما التلفزيونية في هذا الشهر تطرح هذه "الثيمة" حتى ظهور الخيط الأبيض من الفجر في أغلب المسلسلات المعروضة، بالرغم من أنها ليست ظاهرة وهنا تكمن الخطورة! ولذا نتساءل: ماذا نحن فاعلون مع أناس لا يعلمون ما الفن؟! وما أدواته وانعكاساته على البشر؟ وبالتالي على الأوطان نفسها؟! فلم يطح بالشارع العربي في الآونة الأخيرة سوى الفن، وأنا أقول ذلك كوني ناقدة فنية متخصصة. والناقد المتخصص هو المسؤول أما الله وأمام مجتمعه إذا لم يسلط الضوء - بأمانة - على ما هو جميل وما هو قبيح، لكي يتبين الغث من السمين وتنجلي الصورة.
الفن صناعة، والفن تجارة ورأسمال الدول، حتى نرى أن الاقتصاد الهندي الآن أصبح يعتمد على المنتج الفني، خاصة السينما. فالفن منارة تحمل برأسها مشعلا يهتدي به البشر ويصلح ما يفسده الآخرون، ويصحح المفاهيم، ويعلم الأجيال دونما مباشرة أو خطابة. هذا هو التأثير السحري للفن، إلا أننا نجد أن الفن ـ في الآونة الأخيرة ـ قد أصبح تجارة لا تحمل بين كتفيها سوى بركان يسيء للمرء وللوطن وللمجتمع وللمرأة على وجه الخصوص.
أذكر أنني حضرت مؤتمرا بجامعة الدول العربية أقامته منظمة "اليونيفيم" عام 2007 عن صورة المرأة العربية في الإعلام. وكانت النتائج البحثية ترمي المرأة العربية بشرر كالجبال! كونها ظهرت في هذه النتائج بدينة، وشرهة، وجنسية، وأكولة، ومنحرفة، وغير ذلك من النتائج التي كانت المرأة العربية أبعد ما يكون عندما يصورها عليه الفن والقائمون عليه.
ماذا يريد القائمون على الرسالة الفنية قوله عن المرأة العربية؟ وفيما يفكرون؟ وكيف يتجرؤون على تشويه مجتمعاتهم بهذه الطريقة البشعة، وبعدها نصيح في تساؤل عبر الإعلام وفي الندوات والمقالات عن حال المرأة العربية وتمكينها واحترامها، بعدما تسربت سموم هذه الأعمال الفنية إلى الذهنية العربية فاحتقرتها بالفعل!
لقد تابعت عددا كبيرا من مسلسلات رمضان، علنيا أجد صورة مضيئة للمرأة لأنها في نهاية المطاف صورة المجتمع. ألا يعلم هؤلاء القائمون على هذه الأعمال أنها تُشاهد عالميا وعربيا - وأنها سوف تخضع للتحليل وللدراسات عالميا - فيغيرون على مجتمعهم ونسائهم اللآتي هن أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم وتكوين أوطانهم!
دعونا نتحدث ونرصد صورة المرأة في هذه المسلسلات: سوف نجد أن هذه "الثيمة" هي العامل المشترك بينها كلها، وهي ثيمة الرقيق الأبيض (شبكات الدعارة) وانخراط النساء فيها صبايا وعجزة! فلماذا اتفق كل كتاب في هذه المسلسلات، وأيضا المؤسسات القائمة عليها ابتداء من المنتج، وانتهاء بقناة العرض على هذه الصورة البشعة، التي جعلت المجتمعات ونساءها كلهن على هذه الشاكلة؟ وكأنها لا توجد امرأة عجوز أو صبية محترمة تقدس الدين والعرف والمجتمع! وعلى سبيل المثال مسلسل سجن النساء بطولة: نيللي كريم، وسوسن بدر، نجد قصص الفتيات السجينات بتهمة العمل في الرقيق الأبيض في الماضي والحاضر. وفي مسلسل دلع البنات بطولة: مي عز الدين، وريم البارودي، نجد الأب الثري (سمير غانم) يقوم بإخفاء ابنته الهاربة من القانون داخل أحد بيوت الرقيق الأبيض. وفي مسلسل تفاحة آدم بطولة: خالد الصاوي، وريهام عبدالغفور، وبشرى، نجد هذه التجارة هي الخلفية للفتيات المشتغلة بالتنظيم. وفي مسلسل السبع وصايا بطولة: رانيا يوسف، وآيتن عامر، وصبري فواز، نجد الابن المتدين يستتر في هربه بالعمل كقواد في شبكة الرقيق الأبيض. حتى إن مسلسل سراي عابدين بطولة: يسرا، وقصي خولي، لم يسلم من هذه الصورة، فنجد أن إحدى زوجات السلطان الأميرة جولنار (نيللي كريم) تستضيف شقيقتها - الشبيهة لها تماما - وهي تحمل في أحشائها طفلا سفاحا لكي تستغله جولنار وتنسبه إليها من زوجها السلطان.
صور كثيرة تسيء للمرأة العربية ـ حيث: الانحلال الخلقي، والزنا الفاحش، والقتل، والنهب، والرشوة، والكذب، والمؤامرات، وغير ذلك من الأفعال التي لا نجد لها صورة الضد، لتكتمل الصورة ولنجد الصورة الأمل والقدوة والمثال التي يحتذي بها النشء من الأجيال القادمة وحتى المعاصرة. ففي الدراما مصطلح متفق عليه وهو "الشخصية الظاهرية"؛ وهي الشخصية الضد وهي الشارحة للبطل. وبهذا تظهر الصورة الضد المضيئة.
ألا يعلم القائمون على هذه الأعمال بما يسببونه من أضرار للمجتمعات ولصورتها أمام الرأي العام العربي والعالمي؟ خاصة أنها ليست ظاهرة تستحق التسجيل والمعالجة؛ لأنها ليست الشريحة العظمى من المجتمع، وهنا تكمن المشكلة. هل يبدعون في أفق غير هذا الأفق؟ وإذا قيل لنا إن تلك هي حال المجتمع، فنقول ليست المجتمعات العربية ونساؤها بهذا الشكل، وعلى هذه الصورة التي غزت جميع المسلسلات! وإذا اقتصرنا في تحليلنا على المسلسلات المصرية فذلك بطبيعة الحال كونها الأكثر انتشارا على جميع القنوات والأكثر تأثيرا.
من الذي يكتب بالوكالة عن المرأة وينحت صورتها في صورة كيفما يشاء وبحسب الأهواء دونما الرجوع إلى فسيولوجية المجتمع الخاص بهذا التدجين؟ يقول الدكتور فوزي فهمي: "منذ طرح الرجل سؤال التعيين لماهية المرأة، ثم راح يجيب عنه وحده بالوكالة وفق تصوراته، ينتج وينشر صورا تستهدف وضع تراتبية اجتماعية وبيولوجية، ظلت المرأة خاضعة لمحاولات التدجين التي تفرضها ثقافة الرجل في شتي مجالاتها بقوة هيمنة تحرم المراة من حرية أفكارها وتحرمها من حرية التفكير"، ولكننا نضيف على قوله هذا: بل يحرمونها من صورتها التي هي عليها، مما يترتب عليه النظر إليها دائما في دونية مستفيضة، حيث أصبحت عبر هذه الأعمال مجرد وعاء يقضي فيه الرجل حاجته! فهل هي كذلك؟!