استشعار المسؤولية يقود للنجاح والتألق ومواجهة التحديات. وهذا كان (شعار) لاعبي منتخب الجزائر في مونديال البرازيل بعد مشوار حافل بالإبداع أجهضه الحظ لصالح منافسهم يوم الوداع باعتراف الألمان لاعبين وإعلام، وهذا لايقلل من أحقية فريق (الماكينات) بالتأهل، ولكنه من باب الإنصاف لممثل العرب الذي أبلى بلاءً حسناً وقدم صورة ناصعة عن الكرة الأفريقية والعربية في أهم محفل رياضي.
ولذا استحق نجوم (الخضر) الاستقبال (الرسمي) من قبل رئيس الوزراء عبدالملك سلال، وهم يحطون على أرض بلادهم عائدين من البرازيل مرفوعي الرؤوس.
وبعد الاحتفال بهم في المطار بمتابعة قنوات عالمية وبث مباشر، طافت بهم حافلة خاصة (مكشوفة) على طريقة الأبطال في الدوريات الأوروبية لمشاركة الأنصار والمحبين هذا الإنجاز الكبير، وكان المنظر بديعا والحافلة تجوب شوارع الجزائر بين أكوام البشر احتفالا بأيام مجيدة وخالدة في (المونديال) شاهدها العالم أجمع عبر شاشات التلفزة.
ومنتخب الجزائر جدد وجسد ما نؤكده دائما، أن كرة القدم خاصة والرياضة بشكل عام تصنع أمجادا وسمعة طيبة للوطن متى استشعر (السفراء) المسؤولية الملقاة على عواتقهم أمام العالم بما يبيض الوجه، وإن لم يكن فالعكس صحيح بما يشوه الصورة، ولنا في (عقوبة) الأورجوياني "سواريز" استشهاد سلبي يقابله (ثعالب الصحراء) بمردود إيجابي ناصع.
وهناك نجوم يتفردون بحب خاص وتقدير مميز، مثلما في مشهد أربع قبلات فاز بها النجم "إسلام سليماني" من رئيس الوزراء عبدالملك سلال على أرض المطار، تحية لنجوميته المطلقة وعرفانا بهدفه الشهير في التأهل لدور الـ 16.
المنتخب الجزائري حضر للبرازيل والتوقعات السلبية تسبقه وتطارده من الغالبية، وربما إن مثل هذا (التقليل)، أشعل فتيل الحماس لدى اللاعبين، وحتى بعد تجاوز أول مباراتين تم تداول مشاكل بين اللاعبين والمدرب البوسني وحيد خليلودزيتش، وبالتالي صارت المخاوف كبيرة من هزيمة قاسية أمام أفضل فريق متناغم ولا يرحم ويجيد محاصرة المنافسين وضربهم دون هوادة، ومع ذلك تصدى الجزائريون للألمان، بل تفوقوا عليهم في بعض فترات المباراة العصيبة، وكادوا يخطفون فوزا لا مثيل له، بيد أن الحظ والاستعجال وبسالة الحارس الألماني أعطت الفرصة للماكينات للعودة وخطف هدف (قاهر) في أول دقيقتين من الشوط الإضافي الأول، ومع ذلك لم يحبط النجوم الخضر وحتى بعد الهدف الثاني عاد (ثعالب الصحراء) بخطف هدف في ظل تسارع الدقائق والثواني مع ترقب هدف تعادلي آخر ثانية لكن الحظ ابتسم للألمان، وخرج الفريقان أحدهما منتعش بالفوز ومواصلة المشوار والآخر مبتهج بالمستوى والسمعة ومقهور على فوات فرصة التأهل التاريخية.
ومن الدروس المستفادة، نجاح المدرب (وحيد خليلودزيتش) رغم ما ظهر جليا من بعض الخلافات، وأنه لن يستمر بعد المونديال، وهذا يؤكد أنه مدرب قوي ومخلص وأن اللاعبين يؤمنون بفكره التدريبي، خصوصا أن الأداء العام له صلة بالتكتيك وضبط الدفاع وتموقع اللاعبين وتعاونهم ومستوى اللياقة في مباريات عالية القيمة، وخصوصا آخرها أمام ألمانيا (120 دقيقة).
أيضا كسب الحارس "رايس مبولحي" الأضواء وهو يتصدر الأفضلية قبل مغادرته ودخل بورصة أندية أوروبية، وهذا سيعود بالنفع عليه وعلى المنتخب وعلى زملائه ممن يملكون الطموحات.
كما أن "إسلام سليماني" أنصف وكيل التعاقدات السعودي غرم العمري الذي أكد أنه عرض اللاعب على أندية سعودية قبل المونديال ولم تقبله، والآن صارت قيمة انتقاله مضاعفة بطموحات أوروبية. إن ماقدمه منتخب الجزائر بصورة عامة درس قوي لمن يهمه أن يستفيد ليكون حاضرا في كأس العالم المقبلة، والعمل من الآن للمثول مع أفضل منتخبات في العالم بما يعزز مدى أهمية الرياضة لمصلحة الوطن وشبابه وحضارته. ولعل الحراك الأخير من خادم الحرمين الشريفين يثري رياضتنا وقيمة شبابنا بما يقودنا لاستعادة أمجادنا.