كل عام وأنتم بخير.. متعنا الله وإياكم بالصيام والقيام والقبول آمين.

اعتدنا أن رمضان أصبح موسما لتسويق الأعمال الفنية التي يتسابق المنتجون في تجهيزها لهذا الشهر فقط، مستغلين تقبل عدد كبير من الناس لما يقدم، ولو تأملنا لرأينا أن المسلسلات تأتي في المقام الأول وتجتذب ممثلي العرب ممن أكل عليهم الدهر كما تستقطب الوجوه الجديدة؛ هذه المسلسلات أصبحت سبيلا لاستعراض التسريحات والملابس وعمليات التجميل، وفي وسط هذه الزحمة تبحث عن حكاية أو قضية جادة يناقشها العمل فلا تكاد تجد؛ كما تبحث عن تاريخ فني يمثله فنان ما فيصدمك بالتهريج؛ فباب الحارة مثال لعمل كان مشوقا وأصبح حضوره يطرح علامة استفهام خاصة مع تصارع الأحداث السياسية التي تجاوزت بواقعيتها قصص باب الحارة وانفعالاته وقد ضربت مثلا بعمل أراه من أفضل ما قدم في سنوات ماضية!

في مجال المسابقات اختلف طارق مع هيونة فتزوجت ببشار وبشار متزوج بأمل وأب لحلا، مع حبي واحترامي للفنانة هيا الشعيبي ولهم جميعا إلا أن المسابقة كانت تعتمد على طارق بنسبة أكبر من غيره، وما الأسئلة التي تقرؤها هي وأمل وحلا وبشار بلغة ساخرة تارة وغامضة على المتلقي تارة أخرى إلا أكبر دليل، فالوقت يمضي دون أن يعي المتصل السؤال المحسوب بالثواني خاصة الأسئلة الشعرية التي يبدو أن معدها لا يعي معنى كلمة شعر أصلا والشعر "الحلمنتيشي" منها براء، بل هي أقرب للكلام المنثور السقيم، فلو تجاوزت فكرة الاستغلال والاستغفال للمتصل يبقى السؤال الأهم: "أحشفا وسوء كيلة"؟!

جزء آخر من برامج رمضان تحتله فكرة الكاميرا الخفية، ولا أفهم ما المضحك أن تعرض الناس للموت غرقا وتسخر منهم وتتهمهم بالجبن وتقف بجوار دورة المياه في الحلقة الثانية من البرنامج وتسمعنا محاكاة بأصوات مخجلة لما بداخلها.

بهذه المناسبة، تحية للفنان الرائع أحمد السقا الذي أغرق رامز بطل المسابقة الذي علق في المشهد التالي قائلا إنه كاد يغرق فعلا ولم يكن تمثيلا؛ ليثير أو يشير إلى أن ما يحدث ليس أكثر من تمثيل في تمثيل، خاصة وأن لحظة الغرق يستمر فيها حامل الكاميرا موجها لها إلى الفنان دون خوف من الموت، وتبقى الراقصة الشهيرة في وضعية الغرق محافظة على جمال منظرها خاصة الباروكة!

برامج الصخب والضجيج تستمر ومنها "واي فاي" الذي يعتمد أسلوب السخرية الذي يشبه قول الشاعر:

كأننا والماء من حولنا

قوم جلوس حولهم ماء

البرنامج أشبه بعمل مسرحي يعتمد على الحركة المستمرة بلا توقف، وأجمل ما فيه المقدمة والنهاية وبينهما نادرا ما نجد المضحك ولا يتجاوز دقائق معدودة من البرنامج!

أعترف أنني لست متابعة جيدة لما يطرح ولكن ما رأيت كشف لي عن أن ما يطرح أقل جودة من أعوام مضت، وأن هناك غيابا واضحا للنص الجيد أو المعالجة الدرامية التي تحول الفكرة الجيدة لعمل مميز حتى أن الحوارات بدت باهتة وتنتهي كما بدأت دون أن تحدث المتعة الفنية المعتادة فنسأل: وماذا بعد؟!

في وسط الضجيج وحكايات السلاطين تحتل البرامج الجميلة التي تخاطب العقل وتطرح الأسئلة وتحاور أوقاتا ميتة. تحية تقدير وإكبار لخواطر عشرة والأستاذ أحمد الشقيري وفريق العمل معه الذي يسعى كل عام، لتقديم الأفكار الإيجابية بلا كلل أو ملل، وفي حلقة البرنامج الأولى وضح أنه حاول على مدى تسعة أعوام الاستجابة لرغبات المتابعين للبرنامج وأنه هذا العام سيعرض السلبيات للتحذير منها.

يندر أن نجد من يخاطبنا خطاب الإيمان والإحسان، في هذا ينفرد الشقيري في نقاشه المميز لكل فكرة معاشة يتناولها فلا ندري هل يحدثنا بعقله أم يأخذنا عبر روحه في رحلة إنسانية تداعب مشاعرنا وتثير فينا أسئلة التغيير للأفضل.

حتى لا نغمط الأستاذ عمرو خالد حقه فهو مناضل طوال العام سبق الشقيري ويدعو لله على بصيرة وبإيجابية ولا يلوث فكره ولا قوله بما يدور حوله من صراعات، ويتميز في طرحه في رمضان وفي غيره إلا أنني لم أتابع بعد ما قدمه هذا العام للأسف.

عموما؛ البرامج الحوارية لا يعيبها كما أسلفت إلا مواعيد عرضها، وبعضها حتى مواعيد إعادتها تكون في أوقات يغط الناس فيها في سبات عميق!

الحوار غائب عن حياتنا، وحين يحضر كأننا نسعى لقمعه، ولا أفهم لماذا لا يعترض المتابعون للقنوات على احتلال الدراما والكوميديا مهما تراجع مستواها للصدارة، وتهميش الطرح الجيد وقتله؟

ومع أن المطروح يغلب عليه البحث عن الربح التجاري ومع أن المقدم دائما هو الأكثر مشاهدة والأكثر إعلانا بالتالي، ولأن صناعة الإعلان فن بذاته يشد المشاهد، فلا يحس بالسأم، يبقى أن نشكر كل من تعب لتقديم شيء جيد في هذا الشهر الفضيل، ونتذكر أن روحانية الشهر لا تناسبها استعراضات راقصة ودعايات ضخمة لمضمون فارغ، ولعل الأعوام القادمة تقدم لنا أعمالا أكثر روحانية وأكثر إنسانية تتعاطى مع المسلم الصائم وتروح عنه دون سخرية أو ابتذال..لعلها!