في كل عيدٍ نمر به تطفو أسطوانة مشروخة وأحاديث محبطة تتداولها مجالسنا، فيبدأ كل شخصٍ باستعراض ما استطاع من مواقف وطقوس المباهج والأعياد القديمة ليتماهى ذلك السرد مع إصدار الحُكم على أجيال اليوم - قسراً وبكل أدوات الجلد والنفي والنهي- بأن شعورهم بالفرحة مبتور...!
لم تكتف تلك الرؤى والأحكام بذلك، بل تصر على أن تستنسخ من حياتنا نسخةً كما هي لأبنائنا، ولا نزال بسلطويتنا نعلن لا فرح لهم في أعيادنا التي هي أعيادهم أصلاً !
حكمنا عليهم بالتبعية من خلال إصدار قوالب جاهزة نردّدها في أحاديثنا ومقالاتنا وتحقيقاتنا الصحفية العتيقة في كل عيد لتقبع بين رحمة قوالب هذا العيد لم يعد عيداً و (هذا ما وجدنا عليه آباءنا).
أتى ديننا الحنيف يزف إلينا الأعياد ليجدد مظاهر الفرح الجميلة السامية وليرسي ثقافة الفرح الغائبة ونحن نرفضها للأسف، وهذا يدعونا للتساؤل دائماً من قِبَلِ أبنائنا بل حتى من أعدائنا!
أسفاً إنه جزء من منظومة الأنموذج الحيّ للسايكلوجيا العامة لحياة أمتنا ومجتمعاتنا التي جعلت من مراثي معن بن زائدة والخنساء وابن الرومي امتداداً لأروقة العزاء تباكياً على الماضي بمناسبة أو دون مناسبة حتى غدت جينات تراوح في خلايا الأمس واليوم والغد بازدراء الخيبة دائماً.
إنها جزء من ثقافةٍ جعلتنا نردّد ونكرّر أبياتاً وحِكَمَاً تحاصرنا في دائرة المبرر دائماً، حتى غدت حياتنا كجزء من العيد مناحةً نتباكى عليه بشطر بيت كئيب يجرك إلى الإحباط، ثم ورّثناه قاعدةً للأجيال (عيدٌ بأية حال عدت يا عيد..)، لنهرب به بعيداً هناك عنا وعن أطفالنا ومنازلنا بل ديننا !
وعلى الرغم من ذلك فالجميع مشترك في قتل فرحة أعيادنا وطقوسنا وليالينا بدءاً من المعطيات الموروثة السابقة، إلى المجتمع الذي يترنّح في الزمن المتسارع بظروفه الاجتماعية والاقتصادية المرهقة التي نقلت مجتمعنا إلى غياهب الحياة المادية الزائفة بكل معانيها فنفيت المشاعر والحميمية بين أواصر المجتمع حتى غدت بين رسالة جوال مستهلكة و إيميل مقتضب، المؤسسات التربوية هي –أيضاً- شريك رئيس لا يُعفى من دوره في تكريس وخلق التجهّم وثقافته المنتشرة في مدارسنا عبر بعض منسوبيها أو برامجها أو مناهجها والتي يفترض أن تكون المدارس والجامعات هي الحاضن لها ومالكة الدور الرئيس في تعزيز إيجابيات السلوك والحياة، ولذلك بات الفرح في حياة كثير من مجتمعنا وأبنائنا مفردة غير مألوفة المعنى بسبب فجوة عميقة بينها وبين ثقافة تمنع الفرح وتصادره ولذلك لا نستغرب وجود إفرازات وعقد أدت إلى مخرجات شائكة السلوك تثبتها الفوضى الفرائحية التي تئن بها شوارعنا في كل احتفالية أو مناسبة تزين حياتنا ووطننا بتعدٍ على الممتلكات والأنفس حتى يجعلنا نتساءل لماذا يكون تعبير أبنائنا عن الفرح مستفزاً وسخاطاً على المناسبة؟ ومن جعلهم كذلك؟ وكيف صارت ثقافة الفرح عندهم مشوّهةً إلى هذه الدرجة العالية من الفوضى؟
تقول الكاتبة الأمريكية جنيفر إيتون : "يجب النظر إلى البيئة باعتبارها مركزاً للفرص التي تمنح أبناءنا الاستكشاف والاطلاع، فتكون بمثابة مصدر للمعلومات والبهجة والسرور وتجعل للحياة معنى".
ثقافة الفرح تحتاج إلى بيئة مناسبة بذرتها تُغرس أولا في المنزل والمدرسة والمجتمع متناسقةً مع مساحات الأجيال التي يرغبون بها فالأمر أيضاً لا يعود إلينا وحدنا في اختيار الأساليب التي تمكن أبناءنا من الفرح في العيد أو غيره، فكل شخصية لها سماتها الخاصة واتجاهاتها واستعداداتها التي تحتاجها أو تتمناها بحيث تكون مختلفة عن الآخرين، فلماذا لا نستشعر ماذا يريد جيلنا في عصر غدت فيه التكنولوجيا وملحقاتها هي مدخل مباشر للفرح والبهجة لهم؟ وذلك بدلاً من وسائل الفرح القديمة التي مازال البعض يصر على أنها وغيرها إن لم تكن موجودة فلن يفرح أبناؤنا ولن يكون العيد عيداً سعيداً.. إنه بمقاييسهم فقط !
وإن كان البعض من الآباء يدعي الخوف من الإفراط في تلك المظاهر، فمن الأولى مشاركتهم أبناءهم، ليأتي دورهم وباتفاقهم في تقنين وتنظيم كل شيء بحدود، فمعرفة حدود مظاهر الفرح تجعل الأبناء يشعرون بالأمان النفسي والاجتماعي دائماً، بل إن ذلك يؤثر تأثيراً كبيراً في اتجاهات حياتهم نحو النظام وتطبيقه.
تربية الفرح ولغة الأفراح والسرور وغرسها في نفوسنا وفي أبنائنا بوصفها ثقافة مستمرة عامل مهم في عصر بدت فيه الحاجة لتلك اللغة ملحة من أجل السير بالحياة للأفضل الذي نحتاجه على (كافة) الأصعدة وفي كل الاتجاهات الأربعة وما بينها، فالحياة الجميلة دائماً تحاول الترحيب بنا، بل احتضاننا وقد يرفض الكثير قناعةً ولكنه التغيير من الداخل الذي يجعل للحياة معنى، فالإنسان هو الإنسان، وهو دائماً من يفرض ويمرر الحزن والكآبة حتى الإحباط ليمارسه على نفسه ومجتمعه، وهو نفسه من يصنع الفرح ويعمل على إدخال البهجة والسرور لنفسه وللآخرين بثقافة الفرح والمودة والحب والعلاقات الإنسانية والآمال الزاهية التي تسعدنا وأجيالنا حتى نقطف بها ثمار الحياة وبهجتها.
وكل عيد وأنتم وأبناؤنا بهجة الفرح وابتسامته.