بداية، أسأل الله للإخوة الذين قتلوا على أيدي جماعات الغدر والتكفير في شرورة الشهادة والدرجات العلى من الجنة، فإنهم قضوا وهم مسلمون صائمون مرابطون يحمون الوطن من العاديات، وقد قتلوا على أيدي الغلاة الذين يتبنون فكر الخوارج، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم فضل من قتلهم وقتلوه، وقد جاء في حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من قتلهم فله أجر شهيد ومن قتلوه فله أجر شهيدين).
في كل مرة يتم فيها عمل إرهابي سواء كان تفجيراً او قتلاً تبدأ عندنا إسطوانة مكرورة ويبدأ الكلام عن أسباب هذا الفكر المنحرف، وتبدأ حفلات من التلاوم والتقاذف والبحث في الأسباب ثم ما تفتأ يتلاشى الحديث وينسى الناس حتى يفاجؤوا في حادث آخر فتبدأ القضية من جديد وهكذا في كل حادث.
وإن من الأمور المهمة في هذا الأمر أن ندرك أن "القضاء" على مثل هذا الفكر شبه مستحيل؛ لأنه فكر ممتد عبر التاريخ، وله نفسياته الحاضنة ومؤثراته الكثيرة وأفكاره التي تضعف ولكنها لا تموت، ونحن بحاجة إلى أن نعمل على الحد منه وتقليل آثاره قدر المستطاع وبناء استراتيجيات طويلة المدى لإضعافه وجعله غير مؤثر حتى ولو كان موجوداً وذلك بحصاره بالعلم والاعتدال وبيان معالم سماحة الدين وإنه رحمة للعالمين، ومناقشة شبهاته العالقة في أذهان هؤلاء الذين يقتلون أنفسهم في هذه المعارك الخاسرة التي تذهب فيها نفوس مؤمنة بعبثية لا قيمة فيها إلا نزغات الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
كما أننا بحاجة إلى أن ندرك أنه لم يعد فكراً مجرداً عن المؤثرات السياسية الإقليمية والعالمية، فقد أدركت القوى الكبرى أن مثل حملة هذه الأفكار مركوب سهل التوجيه لأهداف عدوانية وسياسية، وعليه فإن مواجهة هذا الفكر ليس بمعزل عن مواجهة الخطط الكبرى التي ترتب لمخططات وأجندات لم تعد خافية في منطقتنا العربية والإسلامية، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: "ينشأ نشء يقرأون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قُطِع". قال ابن عمر: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلما خرج قرنٌ قُطِع"، أكثر من عشرين مرة حتَّى يَخرج في عِراضهم الدَّجال"، وقال في رواية: "لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدَّجال"، فهؤلاء مع هذه الشعارات الإسلامية وتكفير الناس واستباحة قتالهم بسبب غيرتهم الدينية، إلا أنهم يتحالفون مع الأعداء ضد المسلمين حتى يصل بهم الحال إلى أن يتحالفوا مع آخر عدو حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم وهو فتنة لن يعرف الدهر مثلها، فيتحالفون معه ضد المسلمين، وفي هذا دلالة على أنهم قد يتحالفون مع من دون الدجال كفراً وعداوة للمؤمنين.
وعليه، فإن مواجهة مثل هذا الفكر تكون بطريقة مباشرة من خلال "تفكيك" الخطاب الذي يحملون، ورد الشبهات التي يرددون، ومناقشتهم بالحجج العقلية والنقلية التي تكشف زيف باطلهم، خاصة إذا علمنا أن كثيراً منهم من الشباب المغرر بهم الذين تدفعهم حماستهم إلى ركوب هذه الموجات، وهذا دور مهم وجهاد فكري عظيم يدفع البلاء عن أبنائنا وبناتنا، وينفي عن الدين ما يمكن أن يعلق به من هذه الأفكار التي تشوهه أمام العالمين، وهو دور منتظر من العلماء والمفكرين والمثقفين وطلبة العلم الذين لا بد أن يحتسبوا في هذا الطريق ويبذلوا فيه الوقت والجهد والبحث والدربة على الحجاج والنقاش والإقناع العقلي والعلمي.
وأما الطريقة "غير المباشرة"؛ فتكمن في بناء استراتيجيات "التحصين" للجيل من خلال التربية على إعمال العقل وترسيخ عقيدة أهل السنة الوسطية، التي تنبذ أفكار الغلو والتطرف وتحارب التكفير واستباحة الدماء وشحذ العقل للتساؤل حول ما يثيره هؤلاء من شبهات تؤدي إلى حالة الغلو والتطرف.
كما أن الإصلاح عاملٌ مهم في تقليل الذرائع التي يستخدمها قادة هذه التنظيمات لاستقطاب الشباب، فإن الإصلاح ليس حالة موقتة أو ترفية أو ثانوية، بل هو حياة المجتمعات وحفظ الأمم، ورد العاديات، وتماسك المجتمعات، وتقليل الاحتقانات، (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)، فالعلاقة جدلية بين وجود الاختلالات في أي مجتمع وغياب الإصلاح في مجالاته، مع أن هذا الأمر مهم إلا أنه عند من يتشرب هذا الفكر ليس بمهم دائماً، فالتاريخ يشهد أن هؤلاء خرجوا على خير الناس في أزمانهم، قتلوا عثمان وعلي - رضي الله عنهما -، ووقفوا أمام الحكام الصلحاء عبر التاريخ وكفروهم، فلم يسلم منهم حتى عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -، الذي هو مضرب المثل في العدل والديانة، لأنهم ينطلقون من خلوصية عظيمة، وصفائية تجعلهم يرون كل الناس أهل ضلالة إلا هم، وكل الناس في النار وهم أهل الجنة المصطفون، ومع ذلك فلم تقم لهم دولة، ولا يسخر الله لهم درباً لأنهم لا يعيشون إلا على القتل والاختلاف والتشرذم والتكفير الذي يجعلهم يستبيحون حرمات بعضهم ويقتتلون عند أدنى خلاف، وهذا مصداق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "كلما خرج منهم قرن قطع"، قطع الله دابر فكرهم ونجى الأمة من شرورهم، وحفظ على المسلمين أمنهم واستقرارهم إنه جواد كريم.