كنت أصمم في المدرسة الصحف المعلقة، وأنوع أبوابها، وأملأ كل هذه الأبواب بتنويعاتها من: مقالات، وألغاز، وفنون، وكانت تعلق طيلة العام، وأذكر أنني جلست أبكي طيلة الليل، حيث كنت أريد أن ألقي كلمة عن اللغة العربية، ولكنى لا أعرف وأنا في الصف الرابع الابتدائي، فما كان من والدي إلا أن ذهب إلى أحد أصدقائه الصحفيين وكتب لي كلمة بليغة عن اللغة العربية وقدمتها للمديرة لكي أقرأها في الطابور، بعد أن جلست أحفظ التشكيل واللغة وكل شيء بمنتهى التعب والمشقة، إلا أن المديرة وعدتني ولم تف بوعدها، ربما لإحساسها أنها ليست من كتابتي، فاحتفظت بهذه الورقة سنوات، وربما كانت هي من جعلتني أصر على مواصلة الاتجاه.
لم تكن الكتابة بالنسبة لي مجرد مصادفة أو عن طريق التجربة، بل كانت حلما، ثم تعلما، ثم إصرارا. وهذا متاح لأي من البشر، إذا ما وضع له هدفا ثم أصر على الوصول إليه.
بدأ مشواري مع الكتابة سواء كانت الكتابة الدرامية (التأليف) أو الكتابة الصحفية بعد التخرج من أكاديمية الفنون بالقاهرة قسم النقد والدراما، وبالتالي تتلمذت على أيدي كتاب صحفيين كبار أمثال الدكتور أحمد المغازي، وهو مؤسس قسم الإعلام بالزقازيق وفي كثير من البلدان العربية، والدكتور إبراهيم حمادة والدكتور صفوت العالم، والدكتور لويس عوض والدكتور فوزي فهمي وغيرهم كثر، فيما يختص بعلم النقد والإعلام وفنونه، ولذا أدرك أهمية القلم ومدى خطورته في الوقت ذاته، وأدركت أيضا أنه لا يمسك بالقلم هاوٍ وجد فرصة، وإنما للقلم علومه وفنونه لكي يدر حليبا ناصعا حلو المذاق، وهنا تكمن القضية!
كان النقد ذو الأركان والأسس هو منطلقي بما تحتمه المهنية والمصداقية. ومن هنا كانت البداية.
كتبت أول مقال منشور لي في مجلة تصدرها الأكاديمية في أحد مهرجاناتها، وكان بعنوان: (الحبل بين القسوة والانعتاق) وكان مقالا نقديا لمسرحية الحبل للكاتب الأميركي يوجبن أونيل، ولم تكن الكتابة سهلة فكنت أكتب، وأراجع، وأسهر وأقلق لها وعليها، وكأنني أكتب مشروعا لرسالة علمية. إلا أنها أول ما نشرت صرت نجمة الأكاديمية! وكنت أشعر أن من فيها يشاور علي حين أعبُر وأصبح أساتذتي يناودنني حينها ليتكلموا معي في هذه المقالة، وأذكر أنني اشتريت عددا من النسخ حتى ملأت أركان البيت! وحين كتب عني عبدالفتاح البارودي رحمه الله أول مقال أمسيت طيلة الليل أبحث عن جريدة الأخبار لدى كل الباعة ولم أنم ليلتها حتى اشتريت كما من النسخ!
وبعد التخرج ذهبت إلى مكتب "اليمامة" بالقاهرة، وكتبت متعاونة معها عدة سنوات حتى أصبحت أكتب فيها دراسات مسلسلة ومقالات نقدية للسينما والمسرح، وكذلك جريدة الرياض، وحينها تعاونت مع جريدة الوفد لأكتب بها مقالات نقدية. ثم بدأ مشوار الاحتراف حين تعينت مراسلا صحفيا معتمدا في الهيئة العامة للاستعلامات بالقاهرة لجريدة البلاد السعودية، وكان لي باب ثابت بها بعنوان (سلويت)، وركن في مجلة اقرأ بعنوان: (كلام صورة)، وهو نقد الفن التشكيلي استمر ذلك خمس سنوات. ثم مديرا لمكتب جريدة السراج العمانية بالقاهرة لمدة خمس سنوات. ثم كتبت عمودا بعنوان: (زاوية حادة)، في جريدة صوت الشرق لعدة سنوات. وبطبيعة الحال كوني دارسة للنقد فلم أترك الدراسات النقدية. كنت قبل التخرج أكتب المقال في عدة جلسات وبعدد من الورقات ثم الشطب ثم التنقيح تم التساؤل وهكذا. إلا أن أساتذتنا وهذا من فضائل الدراسة قد دربونا أن نجلس في أي وقت ونكتب المقال دفعة واحدة وفي حينها وساعتها وبدون سابق إنذار، وأذكر قول أستاذي مصطفى يوسف قد تكون أثناء حدث ما ويطلب منك مقالا، فأصبحت أمسك القلم وأكتب المقال في دقائق وبدون تلكؤ ودفعة واحدة لكي يتميز المقال بما يسمى "مواصلة الاتجاه". أما حكايتي مع الرقابة فبفضل الله أقول ما أريد بدون أي اعتراض رقابي سواء في التأليف أو في المقالات وربما يرجع ذلك إلى المهنية النقدية كوني متخصصة في النقد.