• ما من عمل في حياة الفرد والجماعة؛ إلا وهو بين متضادين: (نجاح) أو (فشل). والنجاح أو الفشل كلاهما يتعلق بمستوى تفكير الناس، وبالتعاطي الذهني اليومي للمجتمع، الذي يقسم المتداول في المنظور العام الذهني للفـرد، إلى ما هو ممكن ومـا هو غير ممكن، فالفكرة يمكن أن تصـبح في دائرة الاهتمام والجدية، إذا قرنت بذهنية إمكان تحققها في المستقبل، ويمكن أن تزوى بعيداً عن دائرة الاهتمام والجدية، إذا تلبست برداء غير الممكن تحققه في المستقبل، فالتفاؤل المصحوب بالعمل الجاد هو الطريق الصحيح نحو تحقيق نتائج مضمونة لأهداف مرسومة، وعكس ذلك تماماً، فإن اليأس من تحقيق نتائج لأهداف معلنة، يؤدي بالضرورة إلى شعور عام بالإحباط، الذي يتطور حتى يصبح ثقافة متداولة أو سائدة اجتماعياً.

• إن النفس المجبولة على التطلع إلى الإمام، التي تتحلى بالصبر والمثابرة، هي التي تتلمس سبل نجاحها والوصول إلى أهدافها، بالعمل الجاد الذي سوف يكتسح في طريقه الصعاب والمعوقات كافة. ومن معوقات العمل الجاد المثمر، التكاسل، والتردد، والقنوط، واليأس، وكافة مفردات الفشل، والنوم في العسل كما يقولون في نهاية المطاف، وكل هذه بطبيعة الحال، تفضي إلى تأصيل (ثقافة الإحباط) في الوسط المحيط.

• إن اليأس من النجاح، ومن الوصول إلى الغايات والأهداف المرسومة، هو مبعث أساس للإحباط، وإذا رأيت من يشكك في تحقيق غاية ما، فاعلم أنه يجافي مفردة (التفاؤل)، ويدور في حلقة اليأس، وهو ممن ينطبق عليهم قول الشاعر:

وفي اليأس للنفس المريضة راحة

?إذا النفس رامت خطة لا تنالها

• والأمر بهذه الصورة، لا عجب فيه، فهذه هي حياة الناس في ماضيهم وفي حاضرهم، فقد جاء في الأثر: (اليأس إحدى الراحتين)، أي أنه ميتة أولى تسبق ميتة الإنسان، وكفى بالمرء أن يعيش كائناً ميتاً لا حراك فيه، وإنما هو باق لأجل محتوم.

• في ظني – وليس في كل ظن إثم - أن هناك أسباباً عديدة، تؤصل لثقافة الإحباط في المجتمع، وتدفع بعجلة النمو والترقي والحياة، إلى الخلف بدل الأمام، وفي مقدمتها، تقديم السلبيات على الإيجابيات، والتشاؤم على التفاؤل، والفشل على النجاح. إن ما ينثره بعض أقلامنا نحن الكتاب، على أوراق الصحف، موقوفاً على سلبيات اجتماعية وإدارية ونحوها، دون غيرها من إيجابيات، لهو اليأس بعينه، وهو الإحباط الذي يولد صغيراً، ثم يكبر حتى يتفجر فشلا ذريعا في حياة الفرد والجماعة.

• توجد بلا شك أسباب خاصة بالمحبط، وأسباب أخرى مؤثرة، فمن الأسباب الخاصة؛ قلة خبرة المُحبط، وتخوفه من الإقدام، ومعايشته لتجارب فاشلة، ثم ثقافة المجتمع التي يغلب عليها في الغالب لغة التثبيط والإحباط، إلى جانب التأثير الإعلامي اليومي المصاحب للفرد ليل نهار. إن هذه الأسباب كلها وغيرها دون شك، تؤثر نفسياً وعملياً في حياة الفرد والجماعة، وتعمل مجتمعة أو منفردة، على التوجيه غير الإرادي إلى نقطة سوداء من اليأس والقنوط والإحباط، الأمر الذي يُغلِّب متضادة الفشل على متضادة النجاح، وكل منا في هذه الحياة يستطيع أن يجد أمثلة كثيرة على هذا.

• وإذا أضفنا إلى ذلك الفشل الحقيقي، الذي تسجله بعض المؤسسات القائمة على خدمة المجتمع في كثير من مناحي حياتنا، أصبحنا حقيقة أمام كارثة ثقافية مدمرة، تبدأ بالشعور باليأس والقنوط، ثم تصل إلى التعاطي مع ثقافة مثبِّطة محبِّطة، وربما أصبحت ثقافة شائعة في مجتمعها، ترقى في بعض جوانبها إلى درجة الثابت من الثقافي السائد.

• ومن المفارقات في هذا الأمر؛ أن المفكرين والكُتاب والشعراء والأدباء؛ الذين يُنظِّرون للناس، ويحضون على العمل، ويدعـون للنجاح، ويحذرون من الإحباط؛ هم أكثر الناس يأساً وإحباطاً في حياتهم، حتى أنهم لا يخفون هذا، ويكشفون عنه فيما يقولون ويكتبون، فهذا الشاعر إبراهيم ناجي؛ يعبر عن حالة إحباطه فيقول:

رفرف القلب بجنبي كالذبيح

وأنا أهتف: يا قلب اتئد

فيجيب الدمع والماضي الجريح

لِمَ عدنا؟ ليت أنَّا لم نعد

لِمَ عدنا؟ أو لم نطوِ الغرام؟

وفرغنا من حنين وألم

ورضينا بسكون وسلام

وانتهينا لفراغ كالعدم

• إذا عرفنا أن: (لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس) – لأن مبعث الإحباط هو اليأس كما قلنا - وصلنا إلى حقيقـة النجـاح التي تبرز من خلال إرادة العمل، والإخلاص له، والتصميم على المضي إلى الأمام مهما كلف الأمر. وصدق الشاعر الذي قال في هذا المعنى:

فلا تصحبن اليأس إن كنت عالماً

?لبيباً.. فإن الدهر شتى أموره