كلنا يعلم أن الفعل المدني السعودي يعاني من مشكلات كثيرة؛ ولعل أكبرها محاولات "أدلجة" و"تسييس" الفعل لخدمة حركات معينة، فضلا عن تحول بعض المؤسسات الناشئة عن أهدافها المتجهة ـ في الأصل ـ إلى النفع العام، نحو الصراعات الإدارية، والاحتجاجات، والطعون، بعد أن بات البعض ينظر إلى هذه المؤسسات بوصفها منابر للوجاهة الاجتماعية، وقنوات للظهور الإعلامي.

وعلى الرغم من هذا "التشويش"، إلا أن الحراك المدني ينجح ـ أحيانا ـ في التفوق على المؤسسات الرسمية، حين ينأى عن أن يكون مناصب إدارية، أو منافسات على "الوجاهات"، ويقترب من العمل المجتمعي النفعي، لا غير.

"ملتقى أهل أبها"، أنموذج للحراك المدني الذي استطاع التخلص من "الأدلوجة المسيسة"، ومن أطماع الباحثين عن الوجاهات؛ ولذا تمكن من أن يعبر الزمن إلى عامه الرابع، دون أي مشكلات، وبنجاحات متواصلة، فلا رئيس ولا مرؤوس، وإنما فعل وحسب.

وحين أقول نجاحات، فأنا أعنيها، لأن تفاعل أهل أبها مع مناشط الملتقى "منقطع النظير"، بكل ما تعنيه هذه الجملة، إذ تحضر أعداد كبيرة من الفئات الاجتماعية كلها، لا جامع بينهم سوى المحبة التي تربط بين قلوبهم، والحب الذي يربطهم بالمدينة التي تجمعهم، دون نظر إلى الاعتبارات القبلية والعنصرية.

أمس، اجتمع "الأبهاويون" بأعداد كبيرة، في ملتقاهم السنوي، فكرموا المنسيين، واستعادوا الذكريات، وجددوا الأواصر، وحولوا بسطاءهم إلى رموز؛ لأنهم كذلك بما قدموه لمجتمعهم من خدمات جليلة، في أوقات كان المجتمع في حاجة إلى خدمات من أنواع خاصة، ولو لم يكن لـ"أهل أبها" من ذلك سوى تكريس قيمة "الوفاء" لكفاهم.

العمل المدني الحقيقي يقوم على "التطوع" والمبادرة، وينأى عن "حسابات المصالح"، وكلما كان قائما على هذه القاعدة نجح، وذلك لا يعني أنه معصوم من الأخطاء، فهو عمل كأي عمل، لكنه يصلحها بسرعة أكبر من نظيراتها في المؤسسات الرسمية؛ لأنه لا "بيروقراطية" في المؤسسات المدنية.

"ملتقى أهل أبها"، نشأ بإرادة حرة، وبمبادرة مجموعة من الأشخاص، فباركته إمارة المنطقة، دون تدخل في أعماله ومناشطه، أو صياغة أنظمته، أو فرض أعضاء عليه، وذلك وعي متقدم من إمارة منطقة عسير التي تعي أن المشاركة الشعبية داعمة لجهود الدولة، ومكملة لها، وهذا سر نجاح "ملتقى أهل أبها"، وسر الإقبال الكبير على مناشطه، حتى إن معاناة القائمين عليه باتت في الإقبال الكبير، لا في عدم الإقبال.

قد لا يكون مثل هذا الملتقى متفقا مع المعايير الدولية لمنظمات المجتمع المدني، لكنه – في واقعه يمارس دورها، إذ إنه عمل تطوعي يهدف إلى خدمة المجتمع، بطريقة تستحضر ثقافة المكان، وتكرس قيم أهله.