انتهت المقالة السابقة إلى تحديد طبيعة العلاقة النقدية بين طرفين أساسيين من أطراف العملية النقدية: الناقد والمنقود. قامت تلك العلاقة على مبدأ أولي وهو التزام الناقد بالتوجه للمنقود وليس لغيره. هذا الالتزام يجعل من الضروري إبقاء طرفي العلاقة في حالة ظهور مستمرة من خلال إحضار الناقد لمنقوده باستمرار في خطابه بأفضل صوره الممكنة. في حال قيام الناقد بطمس منقوده (المنقود هنا قد يكون شخصا أو فكرة أو موقفا) فإن العلاقة النقدية تتوقف لأنه لم تعد لدينا أية ضمانة بأن "النقد" موجه لموضوعه بقدر ما قد يكون موجها لصورة متخيّلة لا تمت للواقع بصلة. في حالة هذا النقد المزيّف فإن الناقد أمام مهمتين متناقضتين بشكل جدلي. المهمة الأولى وهي طمس المنقود من خلال تزييف قوله وإظهاره بصورة تحجبه عن القارئ. المهمة الثانية هي الإبقاء على حضور المنقود ولو اسما ليتم توجيه الضربات له تحديدا وليس لغيره. بمعنى أن الناقد المزيّف يريد أن يقول للقارئ لا تقرأ فلان وفي الوقت ذاته لا تنسى أنه فلان تحديدا وليس أحدا آخر. هذه العملية عادة ما تؤدي إلى نتائج معاكسة لهدف الناقد المزيّف بحيث تصبح عملية محاولة حجب منقوده نافذة يلتقي من خلالها الناقد والقارئ. أذكر أن دراستنا للعقائد والمذاهب الفكرية والدينية وإن كان الغرض منها في الجامعة صد وقطع أي تواصل للطلاب معها إلا أن مجرد ذكرها وحضورها في المشهد يؤدي إلى تحفيز عدد من الطلاب للتواصل مع المنقودين دون واسطة الناقد الساعي لقطع ذلك التواصل. لذا تخرج توجهات حادة وعنيفة ترفض ذكر أي مقولة أو عبارة للمنقودين حتى ولو كانت مأخوذة خارج سياقها. هذه المحاولة تسعى لحجب أي بصيص نور يمكن أن تنفذ منه احتمالية تواصل بين القارئ والمنقود. لكن حتى هذه المحاولة تضطر إلى القول بأن هناك جماعة مخالفة، جماعة أخرى، وهذا بحد ذاته إظهار لوجود تلك الجماعة.
الجدلية الأخيرة تظهر لنا الدور الأساسي لمجتمع المعرفة (المتلقين) في عملية النقد. هذا الطرف وإن كان يبدأ العلاقة بدور المتلقي إلا أنه يتحول مباشرة إلى دور المرسل والفاعل المنتج في عملية النقد. أول الأدوار الأساسية لمجتمع المعرفة أنه يؤسس أنماط التفكير التي يتحرك داخلها الناقد وعملية النقد. بمعنى أن العلاقات الاجتماعية التي تؤسس مجتمع المعرفة هي ذاتها ما يؤسس علاقات النقد والفكر النقدي عند أفراد الجماعة. على سبيل المثال في مجتمع الصراعات الأيديولوجية داخل الأحزاب السياسية التي تتصارع عمليا على كسب أصوات الجماهير هناك نمط من التفكير يسيطر على الفاعلين داخل تلك الأجواء. في المقابل الأجواء الأكاديمية البعيدة بشكل جزئي عن الصراع السياسي المباشر والمرتبطة بعقلية وإجراءات أكاديمية مؤسساتية يخضع فيها العقل النقدي للطبيعة علاقات مختلفة. هذا الدور الأساسي لمجتمع المعرفة يجعل من القارئ عاملا فاعلا أساسيا في العملية النقدية وليس مجرد هدف سلبي متلقٍّ.
لدينا الآن ثلاثة أطراف أساسية الناقد والمنقود ومجتمع المعرفة دعونا نتصور بعض الاحتمالات التي يمكن أن تأخذها العلاقة بينهم. أولا: لدينا العلاقة التي يهيمن فيها مجتمع المعرفة على العملية النقدية ويبقى الناقد والمنقود مجرد تطبيقات لهذه الهيمنة. الفاعل الاجتماعي والفكري الذي يتحرك وفقا لهوى مجموعة من الجماهير مثال لهذه العلاقة. هذه العلاقة تختلف عن كون الناقد صوتا للناس. كونه كذلك يطلب منه أن يختلف مع الناس وأن يقول ما لا يحبون سماعه. العلاقة الخاضعة للهيمنة هنا هي تحوّل الناقد إلى متكسّب أو منتفع من موافقة هذه الجماعة من الناس ومعارضة تلك. كذلك حين يؤسس مجتمع المعرفة لأجواء من الخوف والريبة يشتغل داخلها العمل النقدي فإنه قد أسس بالتالي لمساحة ضيقة جدا لا يمكن أن تنمو داخلها أجواء نقدية إلا بأثمان عالية قلّ من يقبل بدفعها. ثانيا: لدينا علاقة يطغى فيها الناقد ولو شكليا على منقوده وعلى مجتمع المعرفة من خلال تحوّله إلى مجرد ملقّن وموجه للقارئ دون احترام لمساحة الرأي الخاصة والحرة للقارئ. من أوجه تلك العلاقة ألا يبذل الناقد مجهودا كافيا لرسم علاقته مع منقوده أمام مجتمع المعرفة بمعنى ألا يدرك استحقاق القارئ لمعرفة الآراء المنقودة كما الآراء الناقدة. من علامات عدم الاحترام للقارئ والتي تتكرر حين يكون المنقود يكتب بلغة لا تجيدها غالبية القراء ألا يبذل الناقد إيصال أفكار منقوده بصورة أمينة بحيث يتيح للقارئ تصور الجدل الفكري المفترض أن يحدث. هذه المهمة تتطلب عملية ترجمة واقتباسات ضرورية تكسر الحاجز بين المنقود والقارئ. الناقد الذي لا يحترم القارئ غير حريص على كسر ذلك الحاجز لأن ما يهمه هو علاقة ثنائية أبوية بينه وبين القارئ سيربكها وجود الشريك الثالث. ثالثا: العلاقة التي يهيمن فيها المنقود على باقي أطراف العلاقة النقدية وهذه برأيي حالة لا تتوافر إلا حين يكون المنقود سواء كان رأيا أم شخصا محروسا برمزية عالية داخل مجتمع المعرفة بحيث يؤسس هذا المجتمع أجواء لا تسمح بهذه الشخصية أو هذا الرأي. هذه الحالة كفيلة إما بتعطيل العمل النقدي برمته أو جعل القيام بهذه العملية يعني الخروج من مجتمع المعرفة والقطيعة معه. الأيديولوجيات السياسية والدينية القائمة على تقديس مقام الزعيم مثال على تلك الأجواء، حيث يصبح من المتعذّر عمليا وجود ناقد الرمز داخل جماعة تقدّس الرمز. القيام بهذا النقد يحدث شرخا عميقا في طبيعة العلاقات القائمة على التضامن الكامل والوحدة ضد العدو الخارجي، الذي يمكن التعرّف عليها بشكل أساسي من خلال محاولته التقليل والشك في قيمة الرمز المقدس. هذه ثلاثة وجوه للعلاقات النقدية المعطوبة والتي تسعى العلاقات الإجرائية لإعادة تأسيسها لتكون منصفة للجميع في الوقت ذاته.