إن فهم اليهود والمسيحيين والمسلمين بعضهم بعضا على امتداد التاريخ، يقوم على أساس المواجهة مع الكفار والأعداء، فأتباع كل دين يكفرون أتباع الدين الآخر، ويضعونهم في خانة الأعداء، أو على الأقل يعتقدون بأن الحقيقة لدى أتباع الدين الآخر، تمثل حقيقة ناقصة وغير معتبرة.
وليس هذا وحسب، بل نجد في الدين نفسه، ينقسم الناس إلى مذاهب وطوائف، يتصورون أن أتباع المذاهب الأخرى لا يملكون علاقة سليمة مع الله تعالى، ولا يقبلون الدين بشكل صحيح، وعلى هذا الأساس فإن كل جماعة دينية ترى نفسها أنها الأقرب إلى الله، وبالتالي تملك حقوقا أكثر، وفرصا أوفر في مقابل أتباع الدين أو المذهب الآخر.
فقد ورد في النصوص الدينية لليهود على سبيل المثال أن اليهود فقط من بين شعوب العالم، هم شعب الله المختار، وهم الأقرب إلى الله، وكذلك نقرأ في النصوص الدينية للمسيحين، أن امتياز الدخول في ملكوت الرب هو امتياز مختص بالمؤمنين المسيحيين فقط، وكذلك بالنسبة للمسلمين أيضا.
ونتيجة لذلك، فقد تمت "أدلجة" الأديان والمذاهب، التي تسببت في إشعال نار الحروب بين أتباع الأديان السماوية، وأصبحت العقائد الدينية تدعو إلى العنف والظلم، وذلك من خلال التفسير المتعسف للنصوص الدينية، فيستبدل الدين الذي من الله، بالأيديولوجيا التي هي من صنع الإنسان.
ففي العصور الوسطى قامت الحروب الصليبية التي لعب فيها التعصب الديني دورا كبيرا، فارتكبت مذابح ومجازر عظيمة باسم المسيحية، مثلما ارتكبت جرائم باسم الإسلام، وفي عصرنا الحاضر تم تشريد وتهجير شعب بأكمله باسم اليهودية في فلسطين.
أما على المستوى المذهبي والطائفي، فقد قامت حروب دموية بين المسيحيين الكاثوليك والمسيحيين البروتستانت انتشرت بسببها المجاعات والأمراض وهلاك الملايين من البشر، وفي الإسلام هناك خلاف طائفي بين الشيعة والسنة منذ قرون طويلة أزهقت الكثير من أرواح الأبرياء، يضرب بعضهم رقاب بعض ويكفر بعضهم بعضا، ويشتم بعضهم بعضا من فوق المنابر، وشاشات الفضائيات، ومواقع التواصل الاجتماعي، وكل ذلك يجري باسم الدين، ويقوم على أساس حفظ المذهب والعقيدة.
والتعصب والتطرف ليسا قاصرين فقط على التعامل مع الآخر، وإنما على مستوى الطائفة نفسها، فعلى سبيل المثال يحذر المتطرفون من رجال الدين اليهود من خطر العلمانيين الطامحين إلى تحويل اليهود إلى شعب ككل الأغيار "غير اليهود"، وفي نظرهم يجب مكافحة هؤلاء دون رحمة، كما فعل المكابيون باليهود المتهلّنين، كما يجب أن يدار المجتمع اليهودي استنادا إلى أحكام "الهالاخاه" (الشريعة اليهودية)، وإن الانسياق وراء النهضة الثقافية في أوربا، تؤدي على الدوام إلى انحطاط وتعفن الشعب اليهودي، كما أن الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية غالبا ما تؤخذ من مرجع ديني يهودي واستشارة حاخام في ذلك.
ومما سبق يتضح كيف يكون الدين وسيلة وذريعة بيد المتدينين لمواجهة الآخرين والسعي إلى إلغائهم، وقد تحدثت في المقالة السابقة عن ظاهرة العنف في المجتمعات الإسلامية، وكانت الانتقادات الموجهة بأني تجاهلت العنف والإرهاب في المجتمعات غير الإسلامية، مع أن القاسم المشترك لهذا التطرف هو احتكار الحقيقة، واستخدام الدين كوسيلة لهذا الاحتكار، فأصبح الدين وسيلة للشر، وأداة مخربة ومدمرة، وهذه الحقيقة يؤكدها القرآن الكريم في قوله تعالى: "يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ".
ولكن عندما يعتقد ويدرك المجتمع بأن الحقيقة مقسمة ومتناثرة بين المذاهب والأديان، فإنه يستطيع التعايش مع الآخر من منطلق التراحم والتعاطف والسلام، لهذا نحتاج إلى تفكير جديد، وفهم آخر لمسألة الدين والتدين، فالمجتمع المدني اليوم يقوم على أساس التعددية وكثرة أنماط الحق.
الأمر الآخر والمهم في هذا الموضوع، هو أنه يجب علينا أن نقف في مكان الآخرين، ونفكر في هذا الموقع، ونتساءل: هل ممارسة العنف وقتل الأبرياء تأمر به الأديان السماوية؟، فكما رأينا آنفا من ممارسات العنف في جميع الأديان والمذاهب، فكل جماعة تتحرك من موقع مراعاة تعاليم دينهم أو مذهبهم، حتى لو كانت هناك تفاسير خاطئة للنصوص الدينية، فهم من الناحية النظرية والعملية من أهل النجاة، حسب تعاليم ذلك الدين أو المذهب، وفي النهاية هم من أهل الجنة وقد نالوا السعادة الأبدية!.
فالقس والشيخ والحاخام قد يقولون: "نحن نهتم بأمر الحق والحقيقة وترشيد مسار الإنسانية، وهذا يستوجب التصدي للباطل وأهله ومكافحة الأفكار المنحرفة وقلعها من جذورها"، فهل مثل هذا الكلام مبرر ويقبله الآخر؟ فالجميع في نظر بعضهم البعض منحرفون وعلى باطل!.
يتحدث المثقفون وعلماء الدين في المجتمعات الإسلامية عن المباني المعرفية لحقوق الإنسان والتعددية الدينية، ولكن مثل هذه النقاشات لا تمتد إلى عموم الناس في تلك المجتمعات، بعكس المجتمعات الغربية التي هي في حقيقتها مجتمعات متدينة، ونرى فيها الإنسان البسيط يدرك ويعي مثل هذه المفاهيم.
هذا بالإضافة إلى وجود مقاومة شرسة للتجديد الفقهي، والخوض في مفاهيم من قبيل الإسلام والإيمان والشريعة، فهذه تعدّ من الخطوط الحمراء التي لا يمكن النقاش أو الخوض فيها، فلا اجتهاد في الأصول!، مع أن علماء المسلمين الأوائل تحدثوا واختلفوا في معانيها واجتهدوا فيها، وبالتالي فإن الحياة المعاصرة التي نعيشها اليوم دون مواجهة نقدية للتراث الإسلامي، وتقبل التعددية الدينية والفكرية، تقود إلى إنتاج العنف والتطرف في المجتمع.
وبالتالي، فإن العنف والإرهاب يرتبطان على وجه من الوجوه بتصور المجتمع ورؤيته للدين، وعلى أساس الفهم القديم للدين، فإن نصوص القرآن والسنة تفهم بطريقة خاطئة، فإذا أخذنا في الحسبان هذا التصور، فستكون ممارسات القتل والإرهاب والعنف جزءا أصيلا من الدين للأسف، لذا فإن المجتمعات الإسلامية في حاجة إلى مراعاة حقوق الإنسان وتقبل التعددية أولا، ثم إلى طرح فهم جديد للفكر الديني ينسجم ويتطابق مع واقع الحياة المتغير.