في جميع تفاصيل العملية الإعلامية ما لم يكن الإعلامي مستوعبا لكل المجريات والمتغيرات، بحيث يتأهل ضمنيا لممارسة دور السلطة الرابعة التي تؤثر في الرأي العام، فإنه وبلا شك سيصبح مغردا خارج السرب وضيفا عابرا وإن طال به الزمن، حتى إن ذكره يخفت ويتراجع فور توقفه عن العمل، ولذلك مع تطور العملية الإعلامية التي جعلت من وسائل الإعلام وكلماتها وصورها سلاحا تنافسيا في غاية الأهمية، مطلوب من الإعلامي خاصة إذا كان في موقع الإداري أن يتطور بأدواته وفكره وذاته القيادية حتى ينجح في معركة البقاء مع فضائيات أخرى تلتهم السوقين الإعلامي والإعلاني بكل جماهيريتهما.
ذلك الاستطراد يقودني إلى استضافة الزميل المتألق عبدالله المديفر مؤخرا في برنامجه "في الصميم" الأستاذ عبدالرحمن الهزاع رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، وهي بحسب كثير من المشاهدات، ومن وجهة نظري الشخصية، أراها حلقة مثيرة تطرق فيها الضيف إلى كثير من النقاط التي تعد محاور ظرفية في مجريات الأداء التلفزيوني، وقد أقر الضيف بأن الإعلام السعودي ليس مناسباً لثقل المملكة في المنطقة، مطالبا بإعادة دراسة وضعنا في السوق العالمية والخليجية، وفي تقديري، أن هذا الاعتراف يتضمن انهزامية إدارية لا تخفي على كل إعلامي احترافي، لأن الذي لا يليق هو أن يتحدث مسؤول يمتلك كل الصلاحيات والأموال اللازمة للعمل، وينتهي إلى مثل هذه النتيجة السلبية وغير التنافسية.
أما بالحديث عن تحوّل التلفزيون السعودي إلى هيئة مستقلة، فقد ذكر الهزاع بأنه وفي ظل هذا التحول لم يتغير شيء، وأن الهوية الجديدة التي أعلن انطلاقها منذ أيام تسير في عملية ولادة متعسرة ولم تر الحياة حتى الآن بشكل كامل، منتهيا إلى أن التغيير النهائي سوف يكون مكتملا في شهر محرم المقبل، ونضع علامة تعجب كبيرة حول الولادة المتعسرة رغم عدم وجود المسوغات لذلك، لننتقل إلى الموضوع المالي الذي أخذ حيزا مقدرا من زمن البرنامج، حيث أفصح رئيس الهيئة أن ميزانية التلفزيون السعودي هي مليار وثمانمئة مليون ريال، وأكد أنها لا تغطي الطموحات المأمولة من الجمهور، وأن التلفزيون يحتاج 500 مليون ريال على الأقل ليستطيع تقديم برامج قادرة على المنافسة، وبصرف النظر عن النبرة الشاكية وليست المبتكرة لحلول إدارية، فإنني أستعيد سؤالا ربما سقط سهوا من معيّة الزميل المديفر.. ما الذي سيستفيده المشاهد من رئيس هيئة يقول إنه مكبل ولا يستطيع عمل أي شيء يغير من واقع التلفزيون أو يستقطب في ظل هذا التنافس التلفزيوني المحموم من الفضائيات؟
وبمزيد من الإمعان والنظرة المهنية فيما وراء سطور حديث رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، نلتمس بسهولة كثيرا من الضعف الإبداعي، ليس في العملية الإدارية وحسب، وإنما في الإنتاج والأداء الكلّي المحاصر برؤية إدارة ليس لديها تصورات للخروج من عنق الزجاجة الإبداعية التي على ما يبدو تفسر الماء بالماء، وذلك بحسب قوله إن أغلب البرامج التلفزيونية ليست فيها صناعة للفكر، وتعتمد على الأفكار التقليدية، قبل أن يستدرك مؤكدا أن عقلية الجمهور اختلفت تماما، لذلك فتغيير وسيلة التواصل الإعلامي معه صار حتميا، وهو للأسف ما لم يحدث، لأن الرؤية الإدارية قائمة على مرتكزات نظرية وليست عملية تستشرف حلولا أو تبتكر معالجات تواكب الواقع.
لا يمكن لمؤسسة إعلامية تنافسية أن تنجح وهي تحت ضغط إداري مترهل على هذا النحو الذي يجأر بالشكوى، فالهزاع ذكر في البرنامج نصا: أنا أتكلم من مرارة أعيشها وغيري يحاسبني عليها بأنه نقص وقصور، وأضاف لذلك (أنا مكبل جدا في كثير من الأمور. مكبل ماليا. مكبل في بعض التعاملات مع بعض المسؤولين. وشلون تبيني اشتغل؟)، وقبل أن نذرف دمعة تعاطف مع هذا القول نفاجأ بصعود النبرة المتعالية والمغترة بما عليه من علو إداري وذلك حين يقول: ظهور أي شخص في قناتي (يقصد التلفزيون السعودي) تكريم له، وها هو الإداري نفسه الذي يشحن المشاهدين بطلب التعاطف معه، يقفز مجددا بالرؤية المتعالية ذاتها وغير الواقعية حين يقول (نستطيع أن نؤسس كيانا رياضيا ضخما ينافس الجزيرة الرياضية في المستقبل، لكن الأمر يحتاج إلى وقت وقروش).
والشيء المؤكد أن التلفزيون ملكية عامة لكل سعودي، ولم يخصص أو يتبناه مدير أو رئيس يوما ما على نحو الهزاع حين يقول بكل طلاقة "قناتي" وإنها تكرم هذا وذاك بحسب الأبعاد الشخصية والمزاجية للمدير بعيدا عن المعايير الموضوعية والمهنية لتكريم المبدعين، لأنه لا يحق لأي مدير لمؤسسة عامة مهما اختلف مع مبدع أو حتى مواطن سعودي أن يمنعه حقه الطبيعي في الظهور والتكريم، في وقت يستجدي فيه المواطنين ذاتهم حين يتناول الأوضاع المالية والعجز المالي، وكأنه يذهب للقطاع الخاص لدعمه، قائلا "لله يا محسنين".
الهزاع لم يتوقف طوال الحلقة عن الارتداد إلى موضوعات لا تليق بالكرامة الإدارية والمهنية والشكوى والحث على الشفقة والتعاطف، وخلص في خاتمة المطاف إلى أن يقول (هناك حملة منظمة من بعض التكتلات الإعلامية ضد هيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية) وذلك غير صحيح وأمر متوهم تماما، فهو والتلفزيون ليسوا فوق النقد، ومن يمارسون النقد إنما هم متابعون وإعلاميون وطنيون يهمهم أمر التلفزيون في جميع أحواله بوجود الهزاع أو بغيره، وكما قال البرت هايرد "لكي تتجنب النقد، لا تعمل شيئا، ولا تقل شيئا، ولا تكن شيئا"، ولا يمكن أن يطلب الهزاع الكف عن نقده وهو على رأس مؤسسة وجهاز عام للدولة، وليت أمر الأداء كان أكبر من النقد وعلى أعلى معايير القبول والرضا، ولكن الانحراف المعياري للرضا يتجه منحدرا كما لو أن انفجار بركان على وشك أن يحدث.