"حكم مصر ليس سهلا يا نجيب وستجربون"، قالها آخر ملوك الأسرة العلوية فاروق، لمحمد نجيب الذي كان أول من دفع الثمن حينما عزله الضباط الشباب، ووضعوه رهن الإقامة الجبرية حتى وفاته، في واحدة من أسوأ عورات تاريخ مصر المعاصر، ثم جاء عبدالناصر بعدما حسم معركته بضربة موجعة لحلفائه السابقين (جماعة الإخوان) حين حاولوا الاستئساد عليه، واختطاف السلطة، وقدم الضابط الشاب أوراق اعتماده للحكم بوصفه زعيما شعبيا، يتمتع بكاريزما طاغية ينحاز للفقراء، فنسف طبقة كاملة من الساسة المحترفين والاقتصاديين الوطنيين، وتمددت أحلامه لتعبر الحدود بمشروع "القومية العربية" الرومانسي، لكنه تحطم في صحراء سيناء عقب هزيمة يونيو 1967، ورغم ذلك وجد عرّابين يبررون فشله حتى دفنه صدّام حسين بغزوه الكويت ليستقر في قاع الخليج.
جاء السادات محاصرا بالمعارضين منذ اللحظة الأولى لحكمه، لكن انتصاره في حرب 1973 ألجمهم قليلا، حتى اندلعت مُدوية عقب إبرامه اتفاقية السلام مع إسرائيل، متزامنة مع "انفتاح اقتصادي عشوائي"، صنع طبقة جديدة من اللصوص والانتهازيين، حتى تفتقت قريحة الأكثر دهاء بين أقرانه من ضباط 1952 باستخدام الإخوان لمواجهة القوميين واليساريين، وقدم نفسه باعتباره "الرئيس المؤمن" الذي يحكم "دولة العلم والإيمان"، وكالعادة لم يتمكن من صرف الشيطان الذي استحضره فانقض عليه وافترسه.
جاء مبارك ورحل بطريقة غامضة، وتصرف بطريقة "الرئيس الموظف"، نمطي الأداء مُبغض للإبداع، وتوحشت خلال سنوات حكمه الأخيرة "مؤسسة الشلّة" التي أسستها مجموعة التفت حول ابنه جمال مستغلة طموحه لخلافة والده، الذي خشي الإقدام على تلك الخطوة، فنشبت صراعات داخل دوائر السلطة، كانت مع أوضاع سيئة أخرى سببا لنهايته المأساوية.
هناك "لعنة ما" تسكن كرسي حكم مصر، لا شك في ذلك، فنهايات معظم حكامها كانت مأساوية بدرجات متفاوتة، وعقب أحداث 25 يناير التي ينقسم المجتمع حتى بوصفها من الثورة للمؤامرة، حتى وصل الإخوان برئيسهم محمد مرسي، وكانت نهايته كما رأينا خلف القضبان، تحاصره عدة اتهامات أبشعها التخابر، وجاءت ثورة 30 يونيو لتُعيد مصر إلى هويتها بعدما اُختطفت للمجهول.
ونعلم جميعا التطورات التي سبقت انتخاب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وحزمة التحديات التي كانت تنتظره بدءا بترسيخ الأمن وصولا للوضع الاقتصادي بالغ التعقيد ناهيك عن الاستقطاب السياسي والأزمات التي تصاحب مراحل التحولات الكبرى في مجتمع أنهكته صراعات ثلاث سنوات عجاف، وطبعا هناك من يتوقع فشله وبالأحرى يعمل على إسقاطه، لكن المؤكد أن "صيغة الشراكة" عنوان عهد السيسي، فالرجل لم يطرح نفسه كزعيم، أو "كبير العائلة" أو "والد المصريين"، بل كجندي استدعي لخدمة وطنه.
لنعود لبداية تأسيس الدولة المصرية المعاصرة وبتأمل الأوضاع السياسية التي عاشتها خلال عهد محمد علي سنكتشف تشابها للظروف التي تُحاصر البلاد، أخذا بالاعتبار اختلاف السياق التاريخي والحضاري، لكن الملامح الأساسية متقاربة، فقبيل سيطرة "الباشا" توحش دور المماليك، وخاضوا صراعات خلقت مناخا من عدم الاستقرار، وهو ما حدث في حروب الجيل الرابع التي شنها "مماليك جدد" من جماعة الإخوان، وشريحة من "الشباب المُحتقن" التي وظفتها أجهزة الغرب وسماسرته الإقليميين ليكون إحدى أدوات انهيار أقدم دولة مركزية بالتاريخ، والتي يلعب فيها "الحاكم الفرد" دور البطل الذي تلتف حوله الأمة لحماية الدولة.
بحنكة السياسي الداهية، وشجاعة الجندي المُقاتل فعلها "الباشا" بالقضاء على المماليك في مذبحة القلعة الشهيرة، وكانوا أخطر ما يُهدد مشروعه الطموح، ثم استأنس واحتوى الشيوخ الذين يلعبون دورا في تشكيل الوعي الديني، الأمر الذي فعله السيسي ربيب "الدولة العريقة" لهذا احتوى أجهزتها الأمنية والسيادية، بعدما مرت بتجربة مريرة مع الإخوان، ومنحت ثقتها للرجل الذي يُجيد توجيهها لخدمة سياساته خاصة بملفات العلاقات الخارجية والأمن القومي والتسليح، لأنه باختصار تربى بدولاب الدولة.
بالتأكيد هناك تحديات سياسية حاضرة في ذهن السيسي، بدأ بعضها بالفعل، كإعادة هيكلة جهاز الشرطة، لكن قضايا أخرى ستتبلور بالشراكة، كإتاحة الفرصة للأحزاب وتهيئة الحياة السياسية للعمل بالشارع للنمو وبناء الكوادر وتأصيل جذورها المجتمعية، وخلق قاعدة لنظام ديموقراطي حقيقي يشكل الأساس المجتمعي لمحاربة التطرف، والدفع بكوادر سياسية يتأصل انتماؤها للمجتمع، وهنا يأتي دور الشارع السياسي بشتى أطيافه، فالحاكم وحده لا يملك عصا سحرية، لكن التغيير العميق يتحقق بصيغة الشراكة.
يبقى أخيرا الدور السياسي الذي ينبغي أن يلعبه السيسي بتعظيم "الدولة الوطنية" عبر تسويق رؤية مفادها بأن المصريين حينما يُسمح لهم بالشراكة الحقيقية بتحمل المسؤولية للمرة الأولى منذ عقود، سيشكلون شعبا واضح الهوية، وتتبلور ملامح شخصيته الجماعية لمواجهة كافة التحديات للعبور الحقيقي إلى المكانة التي تستحقها مصر.