السيدة في القطار، سألت بعد أن بدت مستمتعة وهي تستمع لحديث عمر: من أين أنتم؟ أسرع عمر بالإجابة التي يحبها: "إحنا من السعودية"، ابتسمت وردت: تشرفنا أنا من إسرائيل، لتتغير ملامح عمر لشيء من الألم، وواد من الانكسار، وتهطل دموعه بطريقة تثير العجب، كأن عجز الأمة كلها واجهه في لحظة.

إننا نعلم بأمر إسرائيل، وكيف زرعت في جسد الأمة، وكيف قام الصهاينة المسيحيون بتشجيع إقامتها على أمل عودة المسيح عليه السلام ليقضي على اليهود في نقطة واحدة، لكنها قامت على كل حال، وصارت شريكاً للعالم في كل المناسبات والمؤسسات الدولية، وأصبح تمني زوالها إرهابا يدان به الشخص في أوروبا وأميركا.

في الواقع، إن من الخطأ الاعتقاد بأن إسرائيل هي أول محتل لجزء من أرضنا ووطننا، فالتاريخ يخبرنا أن هناك من سبقها، وكان أكثر شراسة منها وقوة، وهم المغول الذين أغرقوا تراث وحضارة الدولة الإسلامية في أنهار العراق، وطفقوا ـ برعونة الجاهل ـ في تحطيم عظمة مفخرة الثقافة: "بغداد".

كيف تصرف أجدادنا مع هذا العدو الجاهل القوي؟ لقد أدخلوه الإسلام خلال 35 عاماً، ليصبح قوة إسلامية ضاربة نشرت الإسلام وحضارته في كل مكان.

إن الأعداء القادمين من خارج جسد الأمة، هم مثل الفيروس، والفيروس كما يخبرنا الأطباء لا يقضي عليه المضاد الحيوي الذي تشتريه من الصيدلية، بل المضاد الذي يصنعه جسدك من الداخل، وكلما كان جسدك ضعيفاً، كان سهلاً على عدوك تمزيقه والعبث به واختطافه أو حتى تحويله لأجزاء متحاربة تقاتل وتهمش وتعاير بعضها بعضاً.

ذات يوم قال لنا زميل عمل في فلسطين المحتلة عاما كاملا: إن الشعب اليهودي في غالبيته روس يقولون إنهم إسرائيليون داخل فلسطين، فإذا وصلوا لأوروبا وأميركا قالوا للناس نحن روس حياء وخجلا.

التقارير التي تكتب عن المجتمع الإسرائيلي تخبر عن ضعفه، وما فتح العدو الصهيوني الباب لهجرة اليهود الأفارقة وأرسلت الطائرات لإحضارهم؛ إلا لتغطية الفجوة في عدد المواطنين خاصة مع هجرة اليهود من أصول أوروبية إلى أميركا. بل إن هؤلاء القادمين من أفريقيا ومعهم الحلم بوطن يشبه الجنة، يتظاهرون ـ كل يوم ـ بسبب العنصرية التي تمارس ضدهم كما تقول الـ"واشنطن بوست" في تقاريرها.

إن إسرائيل ليست قوية لتؤلمنا، لكننا ضعيفون جداً لنسقط في مواجهتها. فما الذي يجعلنا أقوياء لا ننكسر عند ملاقاتها؟

العودة للتاريخ تخبرنا من تجربة المسلمين، لا من تجارب غيرهم، أن سبب هزيمتهم تفرق شملهم، بل إن العربي منذ نعومة أظفاره، وهو يحفظ بيت: "تأبى العصي إذا اجتمعن تكسراً"، ولا يطبقه، ربما لأن وقود الاجتماع أصبح هو وقود الفرقة، وأعني به علماء الدين. لقد كان عالم الدين ـ وقت غزو المغول ـ يصيح بالأمة كلها من أهل القبلة على من عاداهم، واليوم يصيح عالم الدين على المنبر بفتوى قتل الطائفة المخالفة، بل يتهم الأعراض والعقائد ويكفر الناس.. فكيف ننتصر؟

كما أن الدين عامل مهم في نصرة الأمم وهزائمها؛ فلقد سقط الفقه الإسلامي قبيل الغزو المغولي لبلاد المسلمين، ولم ينتصر المسلمون حتى قام مرة أخرى، والمتتبع لعصور تطور ونشأة الفقه يعرف ذلك، ويعرف أن سقوط بغداد تزامن مع سقوط الفقه، بعد أن فرض الحكام على الناس مذهبا واحدا، وأجبروهم على التقليد، فتوقف المجتهدون عن التفكير وانشغلوا بالمتابعة، وألغيت المناظرات في المساجد؛ لتتعطل الأدمغة؛ ليعقبها سقوط بغداد. فإذا أردنا نهضة أخرى فلابد أن تبدأ بنهضة الفقه الإسلامي، لئلا يكون بيننا فقيه يقول إن قيادة السيارة تؤثر على مبايض المرأة مثلا.

أكثر من 23% من الأطباء في بريطانيا مسلمون، مما يطرح سؤالا كيف نقاتل وننتصر والعلم يهاجر لأنه غير قادر على العيش في أوطاننا؟

إذا خلت بلادنا من محاضن للعلم والمعرفة، فكيف نصنع سلاحنا ودواءنا وطعامنا. إن تقدير العلماء يأتي أولاً من الدول التي لا ترى فيهم نداً لها بل عمادها، وتدفع بكل ما لديها لتوفير الحياة الكريمة التي يستحقها العلماء؛ لأنها ستجني منهم في المقابل ما هو أكثر. أما معاداتهم وتهميشهم ،كما حدث مع العالم المصري زويل، فستجعلان بلاداً أخرى تجني حقنا منهم.

في زمن انتصارات أجدادنا كانت المرأة تكرم وتحفظ، واليوم ينشغل العالم العربي بقهرها انعكاساً لقهره هو أيضاً، فكيف تنجب أبطالاً ورجالاً وهي مهانة مغتصبة معتقلة؟

إن تربية المرأة على العزة والكرامة هو الطريق لأنجاب أجيال تصنع مجد الأمة.

باختصار: الإصلاح لم يعد خيارا بل واجبا.