قال الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدكتور عبداللطيف آل الشيخ خلال لقائه التوجيهي بمنسوبي الهيئة الذي عُقد يوم الثلاثاء الماضي في المدينة المنورة عن عمل أعضاء الهيئات إنه: "لم تعد قضيتنا مقتصرة في ملاحقة المحال التجارية التي تعمل أثناء الصلاة، أو تعديل سلوك من لم تتقيد بلباسها المحتشم، ولكن القضية الجديدة لمنسوبي الهيئات أكبر وأهم من ذلك، وتتمثل في محاربة الأفكار المتطرفة والقضاء عليها".
وفي هذا التصريح بُشرى طيبة أن يستقيم عمل أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الراكض خلف تتبع أخطاء الناس الشكلية والفردية والانغماس في قضايا ثانوية يتهور بتصعيدها بعض الأفراد غير المؤهلين للتعامل مع الناس بالمعروف وهم يؤدون عملاً حكوميًا ينبغي فيه مراعاة المصالح العامة والاختلاف بين البشر. والأهم في هذا التصريح أن هذه المؤسسة الحكومية أدركت أن الأمن الفكري للوطن هو اللبنة الأساسية التي يقوم عليها استقراره وتقدمه، وأن محاربة التطرف بكافة أشكاله هو الركيزة التي تنطلق منها كل خطوات النماء والتحضر والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع.
الحادث الإرهابي المؤسف الذي قام به جبناء القاعدة بداية الأسبوع المنصرم في مدينة شرورة الحدودية، والذي اقتحموا فيه بكل جرأة الحدود السعودية وقتلوا عدداً من رجال الأمن البواسل ثم فجروا أنفسهم في مبنى حكومي بعد حصارهم لساعات خدمة لقضيتهم المتطرفة، شاهد واحد من عدة شواهد مؤلمة عاشتها بلادنا في حربها ضد الإرهاب منذ سنين، شاهدٌ على الانغلاق الفكري والتعنت والتهم التكفيرية الجاهزة، الذي تعيشه بعض الفئات في المجتمع والذي كان هؤلاء الشباب نتاجه وما بقي غيرهم أمرُّ وأكثر إن لم نتدارك الأمر وتتحد العزائم والأهداف. وهنا ستكون إحدى كُرات محاربة التطرف في ملعب هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي لديها سلطة تنفيذية منحتها إياها الحكومة منذ سنوات طويلة، فبدلا من ملاحقة الناس وقت الصلاة والاهتمام بالتأكد من إغلاق المحال التجارية الذي لا يسبب بقاؤها مفتوحة ضررًا على أحد، عليها أن تبادر لتأدية مهامها الجديدة كما صرح الرئيس آل الشيخ. ولتجرب الهيئة يومًا أن تتفقد المساجد وما يدور في حلقات التحفيظ داخلها من "أدلجة" فكرية لبراعم صغيرة وتُلقي نظرة على الكُتيبات التي توجد على رفوف المساجد والمكتبات وتوزع في المدارس دون النظر بعين فاحصة حريصة على مصالح الوطن للتأكد من خلوها على غلو مقيت أو تطرف ينزع من صدور النشء، المتلقي الغض الأول، ينزع معاني الإنسانية والتصالح.
ولعل الهيئة تجد تبريرًا وشرحًا مقنعًا وتدخلاً إيجابيًا لمثل بعض الفتاوى والشروح ووجهات النظر التي توزع في هذه الكتيبات الدعوية وتُزرع كيقين في صدور من يبحث عن من يقوده في دروب حياته مثل القول: "يجب على المسلمين أن يكون منهم جهاد في العام مرة واحدة؛ يجاهَد أعداء الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، لا لأجل أن يدافعوا عن الوطن لأنه وطن، لأن الدفاع عن الوطن من حيث هو وطن يكون من المؤمن والكافر، حتى الكفار يدافعون عن أوطانهم، لكن المسلم يدافع عن دين الله، فيدافع عن وطنه لا لأنه وطنه مثلا، ولكن لأنه بلد إسلامي فيدافع عنه حماية للإسلام"، و"أن حب الوطن من التعصب ومن قتل بنية الدفاع عن وطنه ليس بشهيد بل لا يوجد فرق بينه وبين الكافر"!. فمثل هذه القناعات والشروحات تحتاج لاحتساب الهيئة وإنكارها لها وقول كلمة حق تعزز من أمن الوطن، وتجعل الدفاع عنه ككيان مستقل قيمة دينية ووطنية واجتماعية تأمر بها وتعززها وتنكر ما يخالف هذا الواجب وما يحرض على الاستهانة بحرمة النفس والأموال وترويع الأمن والآمنين.
في بيان وزارة الداخلية الذي كشفت فيه عن أسماء منفذي الهجوم الإرهابي الذي وقع في منفذ الوديعة الحدودي يظهر جليًا بالإضافة لصغر سن المنفذين أنهم جميعًا من المطلوبين للجهات الأمنية وأن ثلاثة على الأقل منهم قد سُجنوا في قضايا تتعلق بالإرهاب وأُطلق سراحهم. وربما يكون قد خضعوا لبرنامج المناصحة الذي أُطلق منذ عام 1427. وهذا الأمر يُظهر خللاً بيناً في أن فترة السجن والإصلاح والمناصحة التي خضع لها هؤلاء الإرهابيون لم تؤت نتاجها وأن هناك متربصين بهم بعد خروجهم من سجونهم ليعيدوهم لمناطق الصراع وإكمال مسيرتهم المناهضة للوطن. وقد تكون برامج الإصلاح والمناصحة التي خضعوا لها وغيرهم من المفرج عنهم الآن بيننا غير كافية ولم تستطع انتزاع الأدلجة المقيتة التي رسخت في عقولهم وعند أقرب سانحة تتيح لهم الانخراط مجددا في معسكرات الإرهاب لن يردعهم نصح أو إنكار.
الوعود التي أطلقها رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن قضيتهم الفكرية الجديدة ونيتهم محاربة التطرف ميدان شاسع، قد يحتاجون فيه للتعاون مع جهات أخرى كمركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية، ورسم خطة عمل واضحة تستهدف المؤدلجين فكريًا على المنابر وفي قاعات المحاضرات والفصول الدراسية. ولكن انطلاقتهم الحقيقة ـ في رأيي ـ والميدان الأول لانتصار قضيتهم الوليدة في أجندتهم هي داخل أروقة الهيئة نفسها وفي رؤوس أعضائها فمتى ما كانت هذه المؤسسة برئيسها وأعضائها نموذجًا صادقاً للاعتدال والوسطية وتقبل الآخر ورسل سلام في المجتمع ـ وهو ما بدأنا نلحظه بسعادة بالغة في عهد الرئيس الحالي ـ وفقه الله ـ استطاعوا أن يتبنوا هذه القضية وأن يحاربوا الفكر المتطرف بطرح صادق يتقبله الآخرون وهم يرونهم مثالاً لا يخالطه شك التناقض!