فرصة الاستزادة من المعرفة ينبغي عدم تفويتها؛ فكيف إن كانت على يد على عالم مستنير، وهامة سامقة كالعلامة الشيخ عبدالله بن بية ـ حفظه الله ـ، الذي تحتاج أمتنا اليوم وأكثر من أي وقت مضى إليه وإلى منهجه المتمثل في المحافظة مع المعاصرة، والتسهيل مع عدم التسيب.. الشيخ الجليل ميزه الله بالعلم والفكر والسلوك، وأعتقد أن أكثر ما ميزه الله به حفظه من الانحياز إلا لمصلحة أمته.. جلست بين يديه مؤخرًا مع العشرات في رحاب جامع الشيخ زايد الكبير بأبوظبي، ليعلمنا طيلة أسبوع كامل من نافع علمه، في دورة نفيسة سماها (صناعة الفتوى)..

مشهدنا اليوم يؤكد أن حياتنا أصبحت مسرحا مستوعبا للغث والسمين ممن يتصدى للفتوى، وأن السيولة الكبيرة في الاستفتاء والإفتاء زادت كثيرا من انفلات عيار الفتوى، فالفتوى في هذا الزمان كالزمان المنفلت في كل مجالاته وميادينه، وهي ليست بريئة من الانفلات، ومن هنا جاءت أهمية الدورة التي وضعت النقاط على الحروف فيما يتعلق بهذا الشأن الحيوي.. مفهوم الصناعة ليس متداولاً في مجال الفتوى وميدان إصدار الأحكام الشرعية، ولكن الشيخ ابن بية يؤكد على أن الفتوى صناعة، ويستشهد بقول قديم للعالم الأندلسي ابن عتاب: "الفتية صنعة" ـ نقله الإمام ابن سهل الأسدي في كتاب الإعلام بنوازل الأحكام، المعروف بالأحكام الكبرى: 1/24 ـ. أبدع شيخنا وهو يشرح المصطلح بقوله الفتوى منتج صناعي ناتج عن عناصر عدة؛ منها الدليل، والعلاقة بينه - بأطيافه المختلفة -، وبين الواقع بكل تعقيداته؛ فالمفتي عندما ترد إليه نازلة في قضايا لا نص بخصوصها ولا نظير لها؛ عليه أن يقوم بالتشخيص والتكييف والنظر في الواقع، وعليه أن يتلمس الأدلة على الترتيب من نصوص وظواهر ويبحث عن الحكم الشرعي الذي ينطبق على الموضوع إن كان بسيطاً، وعلى أجزائه إن كان مركباً، وإلا فاجتهاد بالرأي من قياس بشروطه واستصلاح واستحسان.

لم يجد الشيخ ـ قواه الله ـ وهو ييسر ما سبق أدنى غضاضة في أن يستدل بالعلل الأربع التي ذكرها مؤسس علم المنطق، وثاني الفلاسفة الغربيين (أرسطو) تلميذ أفلاطون العلة المادية، والعلة الصورية، والعلة الفاعلة، والعلة الغائية، بل قال عنها إنها أساس لمن يريد أن يتصور أي أمر في هذه الحياة، ودلل عليها بقول المولى ـ سبحانه وتعالى ـ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا..}. في الفتوى علينا أن ننظر في المادة التي تُستمد من مصادر التشريع المعروفة، والتي سماها الشيخ (المولدات)، آخذين في الاعتبار أن كل شيء يوجد في القرآن بالجملة لا بالتفصيل، وأن السنة تنشئ الأحكام، ولولاها لأمكن للرجل أن ينكح شقيقة زوجته أو عمتها أو خالتها وهو مقترن بها، وبعد ذلك علينا أن نتصور تركيبها، والمفتي الذي سيتولى أمرها، والغاية منها.. الدورة كاملة الدسومة ـ مصدر دسم ـ، ومن غير المنطق حصرها في هذه المساحة؛ وربما أكمل ما يلزم في مقال قادم ـ بأمر الله ـ لا سيما أن القلب والعقل يعاني من الفتاوى التي لم تزد المؤهلين للعنف إلا تفجيرا وتقتيلا، وباسم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحاشاه، وهو القائل: "إن الله لم يبعثني معنتا، ولا متعنتا، ولكن بعثتي معلما ميسرا".. حفظ الله لنا شيخنا ابن بية، وأمثاله من أهل العقول الواعية.