تطيب لنا متابعة بعض الأسماء الكبيرة في عالمها الإبداعي. لا ننفك عن ملاحقة ما يصدرونه من أعمال، ونجتهد في الحصول عليها لإصابة متعة تعوّدنا عليها تأسيساً على تاريخ وعلى خبرة؛ تؤكّدها متواليات النشر التي لم نفوّت واحدة منها.
غير أن بعضنا في مرحلة معيّنة يكتشف أنّ اجتهاده في المتابعة والملاحقة لا طائل من ورائه. الجديد الذي ينتظره من كاتبه المبجّل لا يأتي. النغمة ذاتها تتكرر. الكاتب يعيد تدوير بضاعته دون تعميق ولا فتحٍ لمساحات جديدة. الخصوبة المصاحبة للأعمال الأولى أخذت تخفت وشرع الجفاف يُظهِر علاماته.
أصبح هذا الكاتب يعيش وجوده "إعلاميّا" أكثر منه "إبداعيّا" أشبه ببضاعة مقلّدة يجري الترويج لها مضاهاة لأصل لم يعد موجودا. وأسوأ التقليد ذلك الذي ينتج من تقليد الذات؛ نسخِ الذات تعويلاً على نجاحات سابقة أحدثتْ فارقاً ودويّا وحضورا في عالم القراء وفي سوق النشر، وأضحت رصيدا متضخّما يتوهّم صاحبه أنه لن ينفد.
هذا الوهم الذي يزيّن للكاتب الاستمرار و"الاستثمار" بحسبان أن البئر لم تزل تفيض وهي على التحقيق جفّت منذ زمن وما يطلع منها إلا صورة الماضي بسرابه الجميل. للروائي الفرنسي أوليفييه رولان مقولة حكيمة في هذا الشأن: "إنْ كان ثمّة أسلوب معيّن يقدّم إلينا النجاح، فلا يعني بالضرورة أنّ علينا السير فيه دائماً".
أسماء كبيرة ومؤثّرة في عالمنا العربي كنّا نحرص على تلقّف إبداعهم أولاَ بأوّل ومع التجربة يتبيّن لنا أننا لا نكسب بمقدار ما نخسر من الوقت وبمقدار ما نحصد من الخيبة، ولأن الصورة كبيرة ورائعة نفضّل الاحتفاظ بأثرها الأول، بالالتماعة النضرة التي عمرت الروح وسكنت الذائقة.
مثلاَ..
صحراء الروائي إبراهيم الكوني وعالم الخفاء، ومخيّلة سليم بركات بجنونها وانبثاقاتها التي لا يحيط بها الوصف، والفتوحات اللغويّة والملموسيّة الرائعة عند إدوار الخراط.. هؤلاء الرموز في مجالاتهم قبل أن ينجبوا مقلّدين؛ قلّدوا هم أنفسهم وأعادوا نسخَ نجاحاتهم، فارتطموا بحائط التكرار ووقعوا أسرى نمطيّة لا نتورع عن وصفها بأنها مملّة.
درجة الملل التي وصلنا إليها، وجعلتنا نعرض عن المتابعة ـ البعض يفعلها على سبيل الواجب والذكرى!! ـ ينبغي أن تصيب الكاتب نفسه وأن تضرب تجربته من جذورها؛ فيعيد النظر في هذه التجربة ويعكف على اختبار أدواته وأساليبه من جديد كما صنع الراحل الكبير محمود درويش في جميع مراحله الشعرية حتى لحظة وفاته.