شرورة ألم جديد؛ فعندما يتم قتل المسلم في رمضان، وهو صائم، مرابط، جهارا نهارا، فذلك يعني أن التطرف وصل إلى منطقة لا تردد فيها. الإيمان مطلقا بأن العدو في الداخل حتى وإن كان صائماً مصلياً. عملية شرورة وشهداؤها والمساس بقدسية رمضان باعتبار مسلم يحل قتله من وجهة نظر البعض، تكشف لنا الكثير من حجم الكارثة، وهي أول مؤشر حقيقي لكواليس عقلية المتطرفين.

ما يحدث سعوديا لا يمكن عزله عما يحدث إقليميا، حيث العقول الإقصائية التي تؤمن بأن لديها الحقيقة المطلقة، "يقولون من قول خير البرية عليه الصلاة والسلام: "لا يتجاوز إيمانهم حناجرهم"، "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، بعد ذلك يقتلون لأن الجنة يظنونها أسفل دماء المسلمين.

إنها أبشع عقلية يمكن تكوينها تاريخياً، ولو لاحظتم أن الفعل الدموي سبقه قول ناعم، فتاوى شاذة، جدل، إقصاء، تنظيم جماعي، هجوم منظم.. حتى إنه هجوم منظم على بعض العلماء المخالفين للرأي الفقهي والذي فيه قول آخر، فيرون أن لحوم العلماء مسمومة عند البعض، والبعض الآخر لحومهم "زبدة كاكاو".

قبل تجفيف الدم، علينا العودة إلى الخلايا الأولى التي شكلت هذا الوعي المشوه، حيث الحرب الأولى، التي لا صوت رصاص لها، ولا دماء فيها، ولكنها في غاية القسوة؛ لأنها تقوم بالنقش فكريا على أدمغة بيضاء لتصنع أيادي سوداء. أؤمن تماماً بأنها مرحلة الأمن الفكري التي يجب أن تقودها تحديدا وزارة التربية والتعليم، التي سوف توفر علينا الكثير من الدماء في المستقبل، لذلك علينا التركيز أمنيا على عقول الأجيال التي أصبح الوصول إليها أكثر سهولة من الوصول إلى "عيال الحارة".

من خلال منصات التواصل الاجتماعي التي أظهر السعوديون هوسا تجاهها، أصبحت هناك أجهزة مخابرات، متطرفون، لا دينيون ومزيج آدمي افتراضي مهول من النوايا الشيطانية تجاه سكان منصة تفاعلية يبدؤون بالتشكل فكريا بحسب النمط الذي ينتمون إليه. مثلا، بإمكان إيراني من "قم" أن يكتب من تويتر تحت اسم محمد الغامدي أو الحربي أو العسيري أو العتيبي أو القحطاني، من خلال معرفات وهمية ضمنياً، ولكنها حقيقية وفاعلة من حيث تناوله للشأن السعودي لحظة بلحظة، بلهجة محلية، دون أن يشك أحد أن هذا الحساب من تويتر. ولكن ما الذي يريده "الإيراني القبيلي"؟ مجرد البحث عن مناطق هشة بين السعوديين من أجل إثارة الفتنة، وإلقاء حجر في مياه قد تكون راكدة لإيقاظ الفتنة، وصخرة في مياه صاخبة لإبقاء الفتنة يقظة أكثر وأكثر. ماذا لو من خلال مشروع الأمن الفكري، تقوم وزارة الداخلية مثلا بكشف الحسابات التي يكون "بروتوكول جغرافيا الإنترنت – IP" الخاص بها من خارج السعودية ومن بلدان مشبوهة سياسيا.

في السابق، عندما كنا نتحدث عن الإعلام الأمني، والأمن الفكري، رأى الكثيرون أن ذلك مراهقة سياسية، وتطفل في شأن كل شيء فيما يخص المواطن، أو مزايدة، ولكن هذه الأيام أدركنا تماما أنه مثلما يقوم "باقر" مثلا، أو "ديفيد" أو "مايكل" بوضع أحصنة طراودة داخل "تويتر"، و"واتس آب" مشكلين ألغاماً فكرية تقوم بتمهيد الأفعال من خلال الأقوال، فإن على "أحمد" أن يعي أهمية الأمن الفكري، ويقوم بوضع صمامات أمان من خلال قائمة من المهام والبرامج والمشاريع التي لا تسمح بتكاثر الأفكار الشاذة.

يجب أن يكون لدينا وعي كاف بأن الحديث ضد الوطن مثل الحديث عن الأم، مثل الحديث عن أعراض أمهاتنا، نحن في مرحلة استثنائية والكثير من الأطراف تتكالب علينا، مما يجعل تأمين الجبهة الداخلية فكريا ضمن الاستراتيجيات التي لا يمكن التشكيك فيها، ولا يمكن النظر إليها على أنها مرحلة تكميم الأفواه؛ لأن ثمة تغيرات هنا تجعل الأمن الفكري هذه الأيام مختلفا شكلا وجوهرا بسبب دخول عناصر جديدة وهي وسائل التواصل الاجتماعي وقوانينها، الدراما، ووسائل التواصل المغلقة مثل "واتس آب". في السنين الماضية، كنت شغوفا بتشكيل تصوراتي الخاصة عن الأمن الفكري تحت مظلة الإعلام الأمني، واجتهدت وقمت بتجريب الكثير من الأفكار في الدراما، وتلقيت ردود أفعال إيجابية وسلبية حتى أدركت ـ فيما بعد ـ أن الإعلام بإمكانه حقيقة تغيير الكثير. شخصيا، لدي دراسة متكاملة عن الإعلام التربوي الذي بتنا في أمس الحاجه إليه، وهو شغف خاص بسبب احتكاكي الدائم مع الدراما، التي تعد أحد أشكال تخيل ما يمكن أن تكون عليه الحال.

وأخيرا؛ نعلم جيدا أن هناك العشرات من الأسماء اللامعة حولنا، تمهد يوميا لصناعة المزيد من العقول المتطرفة التي يتم تفريخها كي تعبد أصناما من الأسماء، ومن ثم يتم اختبارها بمواقف بسيطة ليتأكد من أن القطيع يلحق به، أو أن ثمة تغيرات فكرية أخرى، حتى تحين اللحظة التي يقوم أحد الأسماء اللامعة بكتابة تغريدة واحدة ليقوم واحد فقط من 10 آلاف متطرف بتحويل التغريدة من جملة لا تتجاوز 140 حرفا إلى فعل دموي بشع، ولا قدسية عنده لرمضان أو غيره. إنهم المؤمنون الجدد بأن الأرض لهم فقط ولا يحق لأحد عليها الحياة سواهم.

ولا حول ولا قوة الا بالله.