لا يكاد يمر حوار تلفزيوني، أو إذاعي، أو صحفي، مع أديب أو شاعر، إلا ويحضر السؤال عن قصيدة النثر، ورأيه فيها، وهو السؤال الذي يضيفه الصحفيون حينما يعجزون عن إيجاد الأسئلة.
وعلى الرغم من جماليات ما يسمى بـ"قصيدة النثر"، وعمقها الفلسفي، إلا أن تبقى مشكلة؛ ذلك أن الناظر في تعريفات الشعر، وأوصافه، عند نقاد العصر الحديث، يلحظ أنهم يستحضرون – على الدوام - الإيقاع بوصفه العنصر الأكثر أهمية في تمييز الشعر من غيره، وإن لم يكن الوحيد، إلا أنه العلامة الأولى.
هناك ما يشبه الإجماع على أن الموسيقا الخارجية هي الحد الفاصل بين: الشعر، وغيره من أنواع الكلام المكتوبة أو المنطوقة؛ إذ تحضر لفظة: "الموسيقا"، في أكثر تعريفات الشعر، وتبرز – مقدمة على غيرها – من صفاته، ومن ذلك قول الدكتور حسين نصار: "الشعر – في جوهره – موسيقا، لا يؤدي إلى ذلك القول التفكير النظري وحده، بل التتبع التاريخي أيضا"، وهو قول يؤكد على أن الموسيقا هي جوهر الشعر، ويؤيد ذلك بعاملين، مما يشي بإصرار الدكتور نصار على أن الشعر موسيقا. أما الدكتور طه وادي فإنه يعرف القصيدة بقوله: "القصيدة تشكيل جمالي بلغة ذات إيقاع موسيقي"، فالإيقاع الموسيقي – عنده – سمة رئيسة في اللغة الجمالية التي تكون القصيدة.
أدونيس نفسه، يرى أن نثرية القصيدة وهم من أوهام المثقفين العرب الذين فهموا الحداثة فهما خاطئا،؛ ولذا أورد رأيه هذا في الفصل الرابع من كتابه "الشعرية العربية"، وهو الفصل الخاص بالشعرية والحداثة، وقد ضمنه أوهام الحداثيين العرب، والمقصود بهذا الوهم - كما يصفه - توهم بعضهم أن تمرد الشاعر على الإيقاع الخليلي، والاعتماد على الكتابة النثرية، هو ما يخلق لقصيدته الحداثة الشعرية، ولذا فإنه يدحض هذا الوهم بتأكيده على أن هناك نصوصا إيقاعية أكثر حداثة من القصيدة النثرية، والعكس صحيح كذلك. ولعل من الأسباب التي جعلت الإيمان بالإيقاع الشعري – في القصيدة العربية - يتحول إلى تشبث وتمسك، أن للموسيقا في القصيدة العربية دورا مهما في التأثير الوجداني، وحشد العواطف، عن طريق تأثيرها في الأسماع، وهو ما يفسر استمتاع بعض الناس بالشعر، ولو لم يدركوا المعاني التي تحملها القصيدة؛ أي أن الإيقاع وحده يؤثر ويجلب الإعجاب، وهو ما عناه الدكتور رجاء عيد بقوله: "نؤكد بأن الموسيقا في الشعر تستطيع أن تقيم بناء متكاملا، يجمع بين التأليف القائم في أعماق الفنان، والغائر في نفسه. وبين غيره من المتلقين في قدرة على جعل إيقاعات النفس تجذب الآخرين، بواسطة النغم الشعري الذي تعطي مذاقه موسيقا الشعر".