لا شيء يقطع التواصل مثل حكم بلا برهان. لنتخيل هذا المشهد: فلان يقول لك إن سلوكك معه خاطئ. الخطوة التالية المتوقعة منك أن تسأل لماذا؟ بمجرد أن يبدأ الشخص المقابل في ذكر الأسباب التي بنى عليها حكمه فإن حالة من الانفتاح والانكشاف الهائلة تتحقق على مرجعيات فكرية واجتماعية وأخلاقية قابلة للنقاش والجدل، مثلا حين يقول لك فلان إن هذا السلوك خاطئ لأن مرجعيته الدينية تقول كذلك فإن الحديث هنا انتقل من الحكم الشخصي إلى مرجعية عامة يمكن الجدل حولها بعيدا عن أشخاص النقاش.

بمجرد أن يتولى الفرد مهمة البرهنة على أحكامه فإنه قد سلّم الطرف الآخر سلطة مراجعة ونقد وتعديل حكمه الأول. بمعنى أنه يقول إن هذا حكمي وهذه براهيني ولك الحق في أن تفحص ما قمت به وأن تراجعه وأن تصل أنت بنفسك إلى نتيجتك الخاصة. لنتخيل الآن المشهد الآخر. فلان يقول لك إن سلوكك معه خاطئ وحين تسأله لماذا يرفض أن يجيب أو يحيلك على مرجعية ذاتية أو إلى مرجعية مغلقة على جماعة محددة لا تنتمي أنت لها أو لا يسمح لك بالانضمام لها، كأن يقول لك سلوكك خاطئ لأنه لا يعجبه أو هكذا لأنه لا يتوافق مع مزاجه أو يرفض أن يبرهن على حكمه بأي برهان أو يحيلك إلى استدلال ويرفض أي تدخل لك فيه. في هذا المشهد يرفض هذا الشخص أن يفتح تفكيره للآخرين. بمعنى أنه يرفض تسليم سلطة مراجعة أحكامه لأحد غيره. هذا الموقف برأيي يمكن أن ينتج عن خوف شديد أو عن استبداد مفرط أو عن زهد في أي تواصل. وكلها علامات على انقطاع إمكانيات التواصل.

لماذا قد يؤدي كشف الإنسان عن مبررات أحكامه للخوف؟ عدة أسباب منها عدم ثقة الإنسان في مبرراته أو عدم ثقته في قدرة الطرف الآخر على تفهمها واستيعابها. هناك حالة من عدم الثقة المتبادلة في الذات وفي الآخر. الحوار يأتي كفرصة لردم تلك الفجوة وبناء حالة من الثقة قائمة أولا على الاعتراف بالخوف والقلق، النقد كحالة حوارية هو عملية من الجرأة والرهان على إمكانية التواصل مع أطراف المجتمع المعرفي من خلال كشف الناقد عن تفكيره للآخرين، بمعنى أن يقول لهم هكذا فكرت في هذه القضية وهذه أحكامي، راجعوها معي ولكم فيها من حق القول كما لي. بقدر ما تقل وتضعف حالة انكشاف الناقد على أطراف مجتمع المعرفة بقدر ما تضعف حالة التواصل وبالتالي يمكن أن نتنبأ بحالة من الخوف تحيط بالأجواء.

أولا قد يكون خوف الناقد من كشف أدواته ومبرراته علما منه بضعفها وعدم قدرتها على الصمود أمام فحص المتابعين. ثانيا قد يكون خوف الناقد من ردة فعل مجتمع المعرفة على مبرراته وطريقة تفكيره. حضور البرهان في الخطاب النقدي هو مقياس دقيق لحضور ثقة الناقد في ذاته وفي مجتمع المعرفة الذي يتحرّك داخله.

العامل الثاني القابع خلف غياب البرهان في الخطاب النقدي هو حالة من الاستبداد التي يعيشها الناقد لدرجة أنه يعتقد أن مجرد تبرير أحكامه يجرح في مكانته المعرفية. هنا مشهد مقارب لحالة المعلم أو الأب الذي يشعر بأن طلب طلابه أو أولاده تبريرات على أحكامه هو تعبير عن قلة احترام وتشكيك في مكانته المتعالية. المشهد هنا مشابه كذلك لعلاقة القائد العسكري بجنوده المؤسسة على علاقة التنفيذ لا التفكير. المطلوب هنا هو تنفيذ الأوامر لا التفكير فيها. قناعة الجندي بالأمر غير مطلوبة وغير مهمة ولذا فإن ذكر مبررات الأمر (الأمر صورة من صور الأحكام) غير مطلوب وغير مهم. كل هذه النماذج تعبر عن حالة من الانقطاع بين أطراف العلاقة. الانقطاع هنا يعني توقّف أطراف العلاقة عن الحضور كأطراف تتمتع بالحد الأدنى من استحقاق التفكير والحكم قبل التنفيذ.

إذا كانت هذه تفسيرات مقترحة لغياب البرهان في الخطاب "النقدي" فإنه لا بد من الانتباه إلى أن غياب البرهان يعني بالضرورة حضور غيره لملء المشهد النقدي ولو صوريا.

لا بد أن أوضح أولا أنني لا أعني بالبرهان هنا المعنى الأرسطي المخصص لنوع خاص من الاستدلال بقدر ما أعني به كل محاولة للإقناع متعلّقة بجوهر الحكم. الخطابات التي تملأ عادة الفراغ الذي يحدثه غياب البرهان هي خطابات تعزز من سلطة الناقد أو خطابات تسعى لإحداث حالة من الخوف لدى المتلقي تدفعه للتسليم للناقد دون التفكير في ما يقوله. تعزيز سلطة الناقد تعني التركيز على مكانته العلمية وقيمته البحثية وكأنها بحد ذاتها برهان على صحة القول. بمعنى أننا نصبح أمام محاججة بهذه الصورة. فلان قال بـ"أ"، فلان حجة في مجاله، إذن "أ" صحيح. نلاحظ في هذا النوع من الخطابات تكرار ألقاب ومكانة الأفراد لتعزيز إمكانية قبول هذا النوع من المحاججات داخل الوسط المعرفي.

بالنسبة لإحداث حالة من الخوف في المشهد فإن حالات الصراع والعنف والحروب أمثلة حادة على مثل هذه الأجواء؛ حيث يُطلب من الجميع التوقف عن التفكير بالمنطق والاستدلال باعتباره يودي إلى تفتيت الهمم وإحداث حالة من التخذيل تحت شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. مهمة الناقد الشكلي هي خلق حالة من أجواء الحرب في النص يتم من خلالها إدخال المتلقي في حالة من الخوف تدفعه باتجاه تسليم حقه بالتفكير الحر.

من هنا فإن التزام الناقد بالبرهنة على أحكامه وإخلاصه في هذه المهمة يعتبر علامة على تحقق حالة صحية من العلاقة النقدية وحالة من الانفتاح على مجتمع المعرفة تنطوي في عمقها على التزام أخلاقي بالعدل والإنصاف والصدق وتجنب ممارسة العنف باسم النقد.