على الرغم من أن الأداء الحكومي قد تحسن في السنوات الأخيرة؛ نتيجة مجهودات تطويرية في البنى التنظيمية والإدارية، خاصة فيما يتعلق بموضوع المشاريع التي ينفذها في الغالب القطاع الخاص لصالح تلك الجهات، إلا أن هناك عوامل رئيسة مازالت غائبة عن بعض المسؤولين الحكوميين، خاصة فيما يتعلق بتقييم الأداء الداخلي

وتحسينه، بحيث يسهم ذلك في تكامل الإصلاحات، وتحقيق التطوير الشامل والفاعل.

الملاحظ والمتابع لأداء الشركات السعودية أنها استطاعت أن تتحول من شركات محلية ذات أسلوب عمل تقليدي إلى شركات تعمل وفق أعلى القواعد والمتطلبات الدولية المتعلقة بالجودة والسلامة وإدارة المشاريع؛ وذلك لأن المتطلبات التي تضعها بعض الجهات الحكومية ذات الميزانيات الضخمة، بُنيت في الغالب وفق أسس علمية، إذ يخضع الاختيار لمعايير جد صارمة، لا تؤهل إلا من لديه القدرة على تنفيذ الأعمال بأفضل شكل.

إلا أنه ورغم ذلك، فإن تلك الوزارات في غالبها تفتقر إلى معايير تقيم أدائها الداخلي، فلا نسمع أن هناك ترقيات أو تعيينات أتت نتيجة تميز ذلك الموظف أو ذاك في قياسات مؤشرات الأداء الرئيسة، فالترقيات تأتي بالأقدمية، والتعيينات تتم وفق تسلسل وظيفي مبرمج، وهو الأمر الذي يفقد أهم عناصر الحماس لدى الفرد، وهو تحقيقه للإنجاز الفردي العائد عليه وظيفيا وماليا.

أنظمة المشتريات الحكومية كتب عنها كثيرون، ومازال النظام المعمول به منذ عقود ساريا ليومنا هذا رغم ما فيه من اشتراطات تنافي المبادئ الحديثة في الإدارة، التي توازن بين السعر وسرعة الإنجاز والجودة، فباستثناءات قليلة يبقى الفيصل في اختيار مقدم الخدمة هو السعر الأقل، وهو نمط يفتح مجالا كما يعلم الجميع للتلاعب والتحايل على النظام؛ حتى أصبح ذلك جزءا أصيلا من عملية ترسية المشاريع، باستثناء تلك التي تخضع لاهتمام شعبي أو رسمي عالي المستوى.

لا بد أن تقوم كل من وزارة الخدمة المدنية والمالية ومكافحة الفساد بإعادة رسم سياسات المشتريات الحكومية والترقيات الوظيفية؛ وذلك من أجل خلق روح المنافسة الحقيقية بين أطراف العملية التطويرية، فقطاع خاص مؤهل في سوق حكومي غير متوافق مع متطلبات المرحلة سينتج تطورا منقوصا، ورفع الطموح لدى الموظف الحكومي سيجعله يعمل من أجل الغد لا من أجل قوت يومه.

قيل إن "الشيطان في التفاصيل"، ومشكلتنا الحقيقية هي أننا مازلنا نتجنب الغوص فيها؛ خوفا من أن يخرج علينا شيطان لا نقوى على هزيمته.