يقولون، وقبل أن يتوارد سؤال "من هم؟" إلى مخيلتك سأفيدك بأنهم "ثقات"، وسأفترض أن تزكيتي لهم أمامك ستضفي على حديثي اللاحق مصداقية لديك، ثم سأفترض أيضاً أنك ستصدق كل ما سأقول لأنهم "ثقات"، من هم؟ لا يهم! الأهم أن تصدق وإن كان كل النقل "شطحات"، شطحات إذا استسغتها وتقبلتها ستدعو بالخير لي وليس للثقات، أما إن لم تستسغها فأنا لست سوى ناقل عن ثقات.
عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال "كما تدين تدان"، والله -سبحانه- يقول (كل امرئ بما كسب رهين)!، فهل هنالك تعارض بين الآية والحديث؟ لا تعارض لأن الحديث موضوع، والموضوع من الأحاديث هو شر الأحاديث، المفارقة هنا أن فكرة هذا الحديث الموضوع هي الثقافة السائدة، ثقافة سادت باختلاق القصص، قصص تبدأ عادة بعبارات: نقلاً عن، سمعت عن، حدثني فلان، أقسم لي من حضر الواقعة، نقلاً عن ثقات.
إن مسألة الكذب في الدعوة، الكذب بهدف الحفاظ على الفضيلة والأخلاق الحميدة، مسألة لها تداعياتها إن عاجلاً أو آجلاً، من تلك التداعيات نفور الناس من الدين لاعتقادهم بأنه مبني على أباطيل لا يستسيغها العقل، دون إدراكهم أن الكذب -كل الكذب- ليس من الدين ولا يصح اللجوء إليه لنصرة الدين والفضائل وجميل الأخلاق، وهذه ثمرة من ثمار خلط الكذب بالصدق في أحاديث من يفترض بهم أن يكونوا ثقات.
ومن التداعيات ما هو اجتماعي، فكم من أسرة تمزقت، وكم من زوج شك في زوجته، وأخ ضيّق على أخته، لإيمانهم بأن حديث "كما تدين تدان" صحيح بدلالة القصص المنقولة عن ثقات، قصص على شاكلة: أن شابا عرف فتاة ثم طلب منها أن تُحضِر صديقتها ويحضر هو صديقه ليلتقي الأربعة في مكان ما، وفي المكان المنشود يتفاجأ الشاب بأن الفتاة الجديدة هي أخته، لتبدأ المأساة.
مثل هذه القصص المبنية على الموضوع من الأحاديث، والمُطّعمة بقصائد وأمثلة هشة على وزن "من يزني يُزنى بأهله"، و"دقة بدقة وإن زدت لزاد السقا"، "من يزنِ في الناس بألفي درهم في بيته يُزنى بغير الدرهم".. تولد في العامة ثقافة بأن الله لا محالة سينتقم من المذنب في أخته أو زوجته أو ابنته، فإن كُن جميعاً طاهرات عفيفات سيأتي الانتقام الإلهي في جدار البيت!
يقول الشيخ الألباني -رحمه الله- عن مثل هذه القصص "مما يؤيد بطلان هذا الحديث أنه يؤكد وقوع الزنى في أهل الزاني، وهذا باطل يتنافى مع الأصل المقرر في القرآن، أن ليس للإنسان إلا ما سعى".
ما فات مجرد عينة لآثار الكذب دفاعاً عن الفضيلة والأخلاق الحميدة، وللكذب استخدامات أخرى، فكم سمعنا قصصاً عن ملائكة تقاتل في أفغانستان، لنكتشف لاحقاً أنه كذب بهدف تحفيز الشباب على الجهاد، وكم سمعنا عن أفاع تخرج لتفتك بجثث غير المصلين، لنكتشف لاحقاً أنه كذب بهدف تحبيب الناس في الصلاة.
دائماً لهذا النوع من الكذب أهداف سامية، ودائماً يولد هذا الكذب مآسي دينية واجتماعية وثقافية، لأنه كذب سيشوه معالم الأهداف السامية في النفوس، وبهذا تأتي النتيجة عكسية على الدوام، وهذه نتيجة منطقية حين تكون الرذيلة طريقاً إلى الفضيلة.
إنهم يكذبون لأسباب عديدة من ضمنها أن المتلقي كثيراً ما كان محتاجاً لأن يكون مكذوباً عليه، ربما لأنه بالكذب يفهم الأشياء والأحداث دون تعقيد، إن لم تصل فستنهشك الأفعى، إن تزن فسيزنى بأهلك، إن قاتلت فستحيط بك الملائكة.
وكأن المتلقي لا يريد الخوض في معرفة حقيقة الأشياء، فيرتاح حينها إلى أبسط التفاسير وإن كانت كذباً، ومع الوقت سيصبح بعض الكذب أو كله ضمن ما يؤمن به كثوابت لا تقبل التشكيك، حينها ستكون الحقيقة موضع شك ورفض، حينها سيفدي الكذبات المتراكمة بدمه وروحه، قد لا يقتنع بأنه لم تخرج أفعى حتى الآن، وأن الملائكة لم تنزل إلى اليوم لمناصرة المجاهدين، وأن الله لا ينتقم من الزاني في نساء بيته، سيشك في نسائه وهذا أهون من قبول الحقيقة.
ويبدو أن الصدق يُكلِفنا أشياءً هي فوق طاقاتنا، فيُرهِق تفكيرنا، وينزع حالة الطمأنينة عن نفوسنا، الطمأنينة إلى الأفكار التي سادت كذباً، هذا الكذب الذي يجعلنا نمارس التقية بأريحية أكثر، يوهمنا بأننا نمتلك كل الأجوبة مهما كانت غير منطقية، يبدو أيضاً أن الكذب لا يكلفنا شيئاً، لهذا فهو بضاعة رائجة لها تجار ومريدون.
وللخروج من هذه المعضلة -ربما- يكون الحل في الحوار، ألا تكون المحاضرة أو الموعظة من طرف واحد وكأن كلام الداعية هو الحق المبين، فبالحوار تُفند الأخطاء ويلتزم المتحاوران أثناء الخطبة أو الموعظة أو بعدها بالمصداقية والمنطق، بالحوار ستُوضع الأشياء في أماكنها، ولن تتشوه المفاهيم أو ينفر الناس من الدين أو يرفضوا التقيد بفضيلة، إنه إن لم تُعالج هذه المسألة بالحوار بالنقد بفتح باب الاعتراض فستُعالج بالفرار، بالنكران والابتعاد حتى عن المنطقي في حديث كل داعية.
والله الهادي إلى سواء السبيل.