لقد تفردت الحضارة الإسلامية بنظام البيعة ولم يكن مفهوم البيعة معروفا في الحضارات السابقة.. والبيعة تعد من أهم مميزات النظام السياسي في الإسلام.. وهناك حقيقتان تتعلقان بالبيعة قد تغيبان عن الأنظار..
الأولى أن البيعة هي من الرعية للحاكم على المبايعة والطاعة، وهي أيضاً من الحاكم للرعية على أن يحكمهم على كتاب الله وسنة رسوله.. والحقيقة الثانية تفرّد هذا النظام بعدم إمكانية تغييره أو تبديله كما يفعل في الأنظمة الوضعية والتي أحياناً تغير بهدف تمرير قرار محدد أو ليتناسب مع اختيار شخصية معينة للحكم لم يكن قد انطبق عليها النظام في صيغته السابقة، ولم تعرف الحضارات السابقة هذا النظام في عصور ما قبل العصر الإسلامي، فهو سمة بارزة في النظام الإسلامي تعني إشراك المواطنين في منظومة الحكم، وهذه ميزة في النظام السياسي الإسلامي.. والبيعة في الإسلام لا تفرق بين الرجل والمرأة ولا بين الكبير والصغير، حيث الحث على مشاركة كل الرعية على الارتقاء بالمجتمع والأمة في ظل تعاون وتناغم وتآلف بين السلطة والشعب.
وقد كانت البيعة منذ بداية الإسلام حيث كانت هناك أكثر من بيعة للنبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضوان الله عليهم.. فكانت هناك بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية وهناك أيضا بيعة الرضوان وكان الرجال يبايعون بالمصافحة والنساء بالكلام.. وذكر لنا التاريخ أن الأطفال كانوا يبايعون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.. فقد بايع عبدالله بن الزبير وعمره سبع سنين..
والبيعة في الإسلام تكشف لنا حقيقة مهمة وهي أن الحضارة الإسلامية حضارة بناءة، فهي تعي قيمة أفرادها، وضرورة مشاركتهم في الأحداث المحيطة بهم.. ولأهميتها فقد أرسى قواعدها منذ وقت مبكر الرسول صلى الله عليه وسلم ولأهميتها فقد ذكرها القرآن الكريم في مواضع عديدة حيث يقول تعالى في سورة الفتح: "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهم". الفتح آية 10. وفي ذات السورة يقول تعالى: "لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا". الفتح آية 18، وقد أشرت في بداية المقال إلى بيعة النساء وأهميتها.. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في دليل قاطع على أهمية بيعتهن فقال تعالى: "فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيم" الممتحنة آية 12. كما اهتم الصحابة رضوان الله عليهم بالبيعة اقتداءً بالرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت أساسا في منظومة العمل السياسي الإسلامي ودليلاً على مشاركة الأمة.. هكذا أراد لها الإسلام.. فكانت.. كما ذكر لنا التاريخ اهتمام الخليفة عمر بن عبدالعزيز بالبيعة وإصراره على ضرورة مبايعة الناس له، فإن قَبِلوا ورضوا به، قَبِل الخلافة وشؤونها، وهذا ما يتَّضح عند أول خطبة ألقاها عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - بعد سماعه لنبأ استخلافه، إذ قال: "أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلب له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم. فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضيناك، فولِّ أمرنا باليُمن والبركة." وهذه الحادثة، مع ما فيها من زهد عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -، إلا أنها تؤكد لنا وعي أبناء الحضارة الإسلامية في اختيارهم لمن يُصلح لهم شؤون حياتهم.
وهناك شروط تحقيق البيعة في الإسلام ولأهمية أمر البيعة، فقد حدد الإسلام لها شروطا هي:
أن يجتمع في المأخوذ له البيعة شروط الإمامة، وأن يكون المتولِّي لعقد البيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء والرؤساء، وسائر وجوه الناس، وأن يُجيب المبايَع إلى البيعة؛ حتى لو امتنع لم تنعقد إمامته ولم يُجْبَر عليها، والإشهاد على المبايعة، فيما إذا كان العاقد واحدًا، أما إذا كان العاقد للبيعة جمعًا، فإنه لا يشترط الإشهاد، وأن يتَّحِدَ المعقود له، بألا تُعقد البيعة لأكثر من واحد.
ولا شكَّ أن هذه الشروط التي أقرَّها فقهاء الإسلام، لتُعَدُّ من المعالم الحضارية البارزة في مؤسسة الحكم الإسلامية؛ لأن غرض هذه الضوابط جلب كل المصالح التي يحتاجها المجتمع الإسلامي.
وخلاصة القول فكثير من الناس يظن أن البيعة هي فقط من الرعية للحاكم وهي ليست كذلك، فهي من الرعية للحاكم ومن الحاكم للرعية على أن يحكمهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. والتفرد الذي تنفرد به البيعة هو أن لا يمكن للحاكم ولا "للمؤسسة" السياسية، إن جاز التعبير، أن تغير في منظومة النظام السياسي الإسلامي أو تبدله كما هو معمول في بقية الأنظمة والدساتير بل يعد ذلك مخالفة لما جاء به الإسلام في أمر البيعة.. وهذا التفرد يعطي البيعة المكانة السامية التي أرادها لها الإسلام وما عدا ذلك يعد مخالفة صريحة لما جاء به الإسلام. حفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين أجمعين ووفقها لكل خير.