أن تكون بلدا غنيا فسيطالبك شعبك بحياة مرفهة، ويطالبك قومك خارج وطنك بأن تبذل لهم، ويتهمك حسادك بأنك وراء كل شرور العالم! خصوصية أسبغها عليك الغنى!
وأن تكون شخصا ناجحا فأنت فريسة للمحبطين وأصحاب النوايا السيئة والحساد طبعا في المقدمة وستجد في زحامهم أصواتا شريفة تقول لك استمر لكن صداها يضيع وسط الأصداء وهي خصوصية إنسانية!
وأن تكون امرأة في بلد عربي له خصوصية فسيتم رفض كل ما يخصك من باب الخصوصية!
وقد طالب أحد الظرفاء بشطب كلمة خصوصية من قاموس العرب!
لو سألنا عن ماهية الخصوصية فسيكون أبرز ملامحها أنثوية تتشكل في صحراء قاحلة كلما هبت رياح التغيير. عندما أريد تعليمها ثارت خصوصية أدت إلى تكوين جيل من النساء نصفه وصل لإدارة المدارس، ونصف رفض أولياء أمورهن تعليمهن يتمنين أن يقرأن ولو بضع كلمات خاصة من المصحف!
وهذه المرأة الخاصة كلما ارتسمت لها وظيفة ولو شاقة على امتداد الصحراء ظهر من يعارضها من باب سد الذرائع، متجاهلا المنافع من باب الخصوصية!
كل جديد في زينتها يعتبر حراما حتى تصدر فتوى بتحليله والقائمة طويلة من زينة الوجه لزينة الثياب.
حتى إن "السحاب" الذي يوضع في الملابس كان محرما حينا من الدهر لعلة التشبه قبل أربعة عقود!
قائمة المحرمات تنداح، وتضيق قائمة المباحات، والعلة في التحريم خصوصية.
ملمح آخر للخصوصية نظرية المؤامرة، ولا أحد ينكر أننا نمثل قلب العالم الإسلامي، وأن هناك درجة من الاستهداف موجهة إلينا، أقلها ما يتم ضبطه من مخدرات تحاول عبور الحدود ولأهداف تجارية بحتة أو قادمة من حزب أو دولة تهدف لتدمير زهرة شباب الوطن لتخريب عقله؛ لكن المبالغة وتصور كل ما يصدر عن العالم من مواعيد المباريات حتى رقصة البطريق يستهدفنا فهذا خيال مريض!
الخصوصية أصبحت شماعة من جهة نعلق عليها كل أخطائنا أو قصور خططنا التنموية أو انعدام الرؤية الاستشرافية للمستقبل، خاصة وأننا أكثر مجتمعات العالم فتوة لأن الشباب هم العدد الغالب في السكان، غياب الخطط حولت فئة من الشباب إلى مخلوقات يتم التحكم بها عن بعد من أعداء حقيقيين، هذه المخلوقات غير عاقلة ترتدي أحزمة لتفجر المسلمين ردا على الكفار!
من خصوصيتنا ترديد عبارات لا يمكن تحويلها لأهداف واضحة، كعبارة (الوازع الديني) وهي عبارة مبهمة نظن أنها سهلة التحقق بمجرد أن نقررها، أو بمجرد أن نلزم طريقة الأمر والنهي أو كأننا نستطيع أن نتحكم بالآخرين فنكفهم عن هواهم كما يعرف لسان العرب يقول: (الوَزْعُ: كَفُّ النفْسِ عن هَواها. وزَعَه وبه يَزَعُ ويَزِعُ وزْعاً: كفَّه فاتَّزَعَ هو أَي كَفَّ، وكذلك ورِعْتُه.)
للخصوصية وجوه كثيرة، منها النظرة الفوقية للآخرين واحتقار إنسانيتهم لعنصرية أو لفقر أو لحاجة جعلتهم يعملون على راحتنا ونعمل على ذلهم!
وقبل أن أستمر، العلل البشرية متشابهة في كل زمان ومكان، وكل إنسان قد يرى نفسه فوق البشر، ويظن أن الكون خلق له؛ ولكن الأخلاق والدين هي التي تهذبه وتريه حجمه الحقيقي في الكون الشاسع؛ وما دمنا في قلب العالم وقبلة مصلاه لا مناص لنا من أن نقيم أخلاقه ونقوم أنفسنا بتعاليمه وأبسطها المساواة بين البشر.
كل إنسان له دوائر انتماء، فالوطن دائرة تضم الجميع، والمناطقية والقبلية والحزبية وحتى الدوائر الأكاديمية دوائر صغيرة بداخله، ومن تختلف معه في دائرة قد تهتف معه بصوت واحد فرحا بهدف حققه فريقكما وتتبرأ من أخيك بالدم لأن ولاءه للفريق أو المنتخب المنافس لما يمثل هواك!
شخصيا أستمتع كثيرا بمتابعة تقاطع وتماس دوائر الولاء بين المتحابين والمتصارعين ولو أجدنا العزف على أوتار الحب لها فكلها جميل ومدهش من جانب ما!
الخصوصية الحقيقية التي تمثلنا ونمثلها أننا ننتمي لدين استمر بالانتشار على مدى الزمان، ولم تفلح كل مخططات أعدائه في كبح انتشاره، بل وحتى اليوم رغم ما ينشر عن هذا الدين وما يوصم به ما زالت القلوب تهفو إليه وتسرع الألسن لترديد شهادته، هذا الدين لم تفلح قسوة الصحراء من انتزاعه من قلوبنا على مدى 14 قرنا همشت فيه الأرض وأهلها إلا من حكايات متناثرة في كتب التاريخ تصور شظف العيش.
الخصوصية التي تمثلها امرأة هذه الأرض أنها امرأة رائعة طموحة تسابق في مجالات العلم ومراتب الشرف وتسبق حتى شقيقها الرجل.
أخيرا يجب أن تكون الخصوصية مصباح الحكيم الذي حمله وسار باحثا عن الإنسان الذي يبدو أننا أضعناه مخصوصا!
ملاحظة :
نبهني الأستاذ عبدالعزيز الغنامي على خطأ وقع في مقالي السابق عن حرف القيف وهي أنني نسبت للدكتور الصاعدي في المقالة السابقة كلاما نشره في موقعه الإلكتروني للأستاذ تركي الغنامي من مقالته "قاف العرب والكاف الفارسية"، فمعذرة من الخطأ من الفاضلين لنسبته للدكتور عبدالرزاق الصاعدي. وشكرا وافرا للمنبه.