قلت في مقالة سابقة ـ هنا قبل ثلاث سنوات تقريبا ـ إن معظم قطاعات الدولة تصرف في كل عام عشرات ومئات الملايين من المبالغ المعتمدة لها في الميزانية كيفما اتفق، وتبذرها بشكل أقرب ما يكون إلى العبث، لأن الآلية المعمول بها في وزارة المالية تعاقب من يعيد لها مبالغ في نهاية السنة المالية بتقليص الاعتمادات المالية المخصصة لهم في السنة الجديدة، ويتم تخفيضها إلى النصف أو أقل من ذلك، كون ما تم اعتماده في العام الماضي لم يصرف.. فحسب فلسفة وزارة المالية: عدم الصرف يعني عدم الحاجة، بينما كل الجهات تشكو من أن "المالية" لا تتفهم أسباب عدم الصرف ولا توجد لديها آلية لضبط هذه المسألة حتى لا يكون حكمها عاما وعشوائيا، ولأن وضع المالية وفهمها للأمور هكذا، والنظام المعمول به من عدة عقود هكذا، اضطرت هذه الجهات إلى العبث بالأموال العامة؛ حتى لا تخفض وزارة المالية من ميزانياتها فيما بعد، واستشهدت برأي أحد المسؤولين الذي أكد لي صحة ما ذهبت إليه وصحة الاتهامات الموجهة لـ"المالية"، وكيف أن نظام وزارة المالية يساعدهم بل يحرضهم ويشجعهم على التحايل واستخدام سبل غير سليمة وصرف الملايين كيفما اتفق خوفا من تقليص الاعتمادات القادمة، وأن هذا النهج أدى إلى تنفيذ مشاريع بجودة متدنية، وفي أحيان أخرى اللجوء إلى نقل الاعتمادات المالية من بند إلى بند آخر بهدف التخلص منها، وربما استصدار فواتير شكلية لإثبات الصرف، فالنظام يدفعهم لفعل ذلك، وأوضح ذلك المسؤول أنه إذا كان النزهاء يشكون من هذه الآلية أفلا يمكن للفاسدين وضعاف النفوس أن يستغلوها؟
في ظني لو أعادت وزارة المالية النظر في هذه الفلسفة وعكست المسألة لكانت النتائج أفضل ولحفظت أموال الدولة. قلت له كيف؟ قال الصحيح أن تكافئ وزارة المالية الجهات التي تعيد لها مبالغ لم تتمكن من صرفها لأسباب وجيهة، عبر عدم تقليص الاعتمادات المالية لهذه الجهات في السنة الجديدة، بل وزيادتها بحجم ما تمت إعادته من تلك الجهات عندما تكون الأسباب وجيهة، ولكن الآلية الحالية خاطئة تماما.
قبل أيام، سألت صاحبي المسؤول عما إذا قد تغير شيء ما، في سياسة وزارة المالية؛ حيث كنا نتحدث عن مشاريع مهمة تنفذ، لكنه طال زمن تنفيذها، وزاد تذمر الناس بسبب تأخرها المرتبط بفلسفة "المالية" في كيفية تجزئة المشاريع على عدة سنوات، فتبسم قائلا: "كيف الحال"؟
جل الجهات الحكومية تشكو من سياسات وآليات العمل في وزارة المالية وحتى اللحظة لا تغيير؛ ولهذا تزداد المشاريع المتعثرة وتزداد المشاريع التي تأخذ سنوات وسنوات طويلة للانتهاء منها، ولهذا أيضا هناك تدنٍ في مستوى الجودة والرقابة في جل المشاريع.