الأحرف الأولى وذكريات لا تنتهي.. أتذكر ذلك اليوم الذي نشرت فيه أول مقال في جريدة الرياض في صفحة الرأي للجميع عام 1982، وكنت طالبة على مقاعد الدراسة الابتدائية، المقال كان بعنوان: "مساواة المرأة بالرجل".. مقال بسيط.. وبريء.. وجريء.. لكن معه ظفرت بتشجيع منقطع النظير من والدي وأسرتي، وبعد النشر، حمل والدي الجريدة مسرعا ينهرني ويصرخ: لماذا أكتب المقال مذيلا باسم مها فقط؟ لماذا لم تكتبي اسمك الكامل الصريح؟ حتى يعرف العالم أنك ابنتي وأنني أبوك الذي يفخر بك.
ذاك المقال، وذاك الفخر من والدي، مازالا صدى يتردد حتى اللحظة في حياتي، ويمدني بطاقة إيجابية للمواصلة.
تلك كانت حكاية المقال الأول.
بعدها توالت المقالات هنا وهناك في جريدة الرياض والجزيرة وجميعها في صفحات الرأي.. ليستقر بي الحال في مجلة الشقائق وهي مجلة شهرية، حين اختارتني رئيسة التحرير الدكتورة سارة آل جلوي، وكتبت فيها مقالات عدة قبل توقفها عن الصدور. في تلك المرحلة استقطبتني جريدة اليوم، وكتبت زاويتين كلتيهما أسبوعيتان: الأولى بعنوان: "وميض"، والأخرى بعنوان: "نساء للوطن". خلال تلك الفترة عملت في القسم النسائي صحفية ومحررة متعاونة غير متفرغة، وقد نشرت الكثير الكثير، وبعد أقل من سنة من العمل الصحفي المتواصل، الذي أشير إليه بالبنان، ولله الحمد، وشهدت على إنجازاتي كثير من شهادات الشكر ودروع التميز، حتى إنني كنت ضمن 37 شخصية متميزة في المنطقة الشرقية. كتب عنا الدكتور على بن عبدالعزيز آل عبدالقادر في كتابه: "المرأة الإرادة والتحدي: نموذج المرأة في المملكة العربية السعودية". خلال هذه الفترة وتحديدا في عام 2001، أصبت بورم لم يتمكن الأطباء في بدايته من معرفة أسبابه ونوعه.. وقد استغرق علاجه حتى تم استئصاله ما يزيد على عام، فتوقفت خلال تلك الفترة المرضية، وبعدها هجرت عالم القلم، لكن نشرت كتابي: الأول والثاني: "وميض"، وكتاب: "صوت من الأعماق".
في عام 2008، حين انتقل والدي إلى جوار ربه، وجدت أن عشقي القديم عاد، وها هو القلم يجبرني على إخراج الأحرف والكلمات فسندي وعضدي قد رحل، فكان مقال: "سليمان العلي الوابل.. رجل كان بيننا". يوم نشر المقال في جريدة اليوم لم يصمت جوالي عن الرنين.. الرسائل النصية توالت.. وبريدي الإلكتروني غرق بالرسائل.. الكل يشيد ويعاتب على الانقطاع ويدعو للعودة، لم أنس الرقم، 200 رسالة إلكترونية.
كل تلك الحفاوة أجبرتني على العودة، وجرة القلم عادت مرة أخرى مع جريدة اليوم، وخلال تلك الفترة ـ تحديدا عام 2009 ـ نشرت كتابي الثالث: "نساء للوطن"، وفي ذات العام أنشأت موقعي الإلكتروني. في تلك الفترة صادفتني مشاكل الرقابة في جريدة اليوم، فكثرت مقالاتي الممنوعة من النشر، وزادت على تلك المنشور، ثم وقع علي الاختيار من رئيس تحرير "الوطن" الأسبق الأستاذ جمال خاشقجي، لأصبح ضمن كتاب الرأي في صحيفة الوطن، فكانت محطة جميلة وجديدة. كتبت مع عمالقة جنبا إلى جنب، وقد نشرت لي أجمل المقالات وأكثرها انتشارا مع وجود مواقع التواصل الاجتماعي، فكسبت حضورا أكبر على الساحة الإعلامية.
في عام 2011، نشرت لي مجموعة قصصية للأطفال، وانتقلت إلى العيش في هولندا.. فخفَت الضوءُ من جديد، مع مرحلة جديدة من الغربة والانتقال.. تفرغت للكتابة عن حياتي الجديدة، ومازلت أسجلها وأدونها، ولم تر النور حتى الآن، إذ امتدت فترة إقامتي هنا.
في هذا العام 2014، صدر لي كتابي الرابع: "أثر الصحافة على ثقافة الحوار في السعودية"، وهو دراستي الميدانية التى حصلت بها على درجة الماجستير في الإعلام من الجامعة الأهلية بالبحرين.
لم تنته رحلة القلم، وإن تعددت المحطات.. والقلم هو ذاته القلم.. قد يحتار في كلماته وعباراته، لكنه يبحث عن ذلك الحبر الذي يخرج مكنونه.. وظل قلمي هو صديقي ورفيقي وملاذي، حين ترهقني الأيام.