رغم كل هذه الفوضى العارمة على شاشة التلفزيون في شهر رمضان، فقد اخترت أن أتحاشى السقوط في مزالق التفاهة والتكرار، وأن أبتعد من أن يصفعني الهم العربي، لذا لجأت لمتابعة مسلسل وحيد وهو مسلسل "لو"، ربما لأنني كنت أبحث عن الحب وملاك الشوق والأحباب، بدلاً من متابعة المناضلين والثوار والمرتزقين، وربما لأنني شبعت من حماقة الدنيا، وعطب اللحظات السعيدة، وربما لأن المسلسل في الأصل مقتبس من فيلم أميركي بعنوان "unfaithful" أي الخائنة أو غير المخلصة، وكنت قد شاهدت الفيلم في صالة السينما في عام 2002 وتأثرت كثيراً بالقصة، ففي ذلك العمر المبكر، لم نكن نتحمل فكرة تغريب عواطفنا، فقد كان الحب والإخلاص هما المقياسان الحقيقيان تجاه الحياة، وربما لأنني كأي امرأة يهلكني الشعور الآثم بالخيانة من كلا الطرفين.
وقصة الفيلم الأجنبي كانت تدور حول عائلة مكونة من زوج وزوجة وابنهما الوحيد، يبدأ الفيلم بمشهد الزوجة وهي تتسوق في يوم عاصف، وتصطدم بشاب وسيم فتقع حاجياتها من يدها، يساعدها الشاب وتشكره، وعندما تهم بالذهاب وتصيح منادية التاكسي، يلتفت إليها سائق التاكسي الذي لا يبعد سوى خطوات عنها، لكنه لا يتوقف، ونظراً لسوء الطقس تضطر الزوجة لقبول دعوة الشاب لها بالدخول إلى شقته العارمة بالفوضى وأرفف الكتب، ويخبرها الشاب بأنه يعمل ببيع وشراء الكتب، فتعجب الزوجة الأربعينية بنسق حياة الفوضى والمجون التي يعيشها الشاب، وسريعاً ما تدخل معه في مغامرة جريئة، وذلك من أجل كسر رتابة حياتها التقليدية، وتتكرر زيارتها إلى أن يشك الزوج، ويرسل أحد المخبرين ليتعقبها، ويقوم المخبر بتصوير العاشقين معاً، ويسلم الصور للزوج الذي يصعق من مشاهدته لصور زوجته الخائنة، لكن ما آلم قلب الزوج أكثر، هو رؤيته لمدى استمتاع زوجته في علاقتها مع الشاب، الذي يقوم بقتله بغير قصد، بعد أن شاهد الكرة البلورية التي أهداها لزوجته وهي موجودة بجانب سريره، فيفقد السيطرة على نفسه ويقوم بضرب الشاب بها على رأسه، ويسقط ميتاً!
ظلت تفاصيل الفيلم في مشاعري حتى وقت طويل، لم أستطع أن أنسى الحكاية، ثمة أفلام تبقى في ذاكرتك عمراً طويلاً، ولا يمكنك الخلاص منها أو التحرر من تفاصيلها الصغيرة، وهو ما حدث معي، ومع تطورات أحداث المسلسل سألت أحد زملائي في العمل، إذا ما كان سيسامح زوجته لو اكتشف خيانتها، فقال لي بالتأكيد لن أسامحها، ولا يمكنني أن أحدثك عما سأقوم به لربما يصل الأمر حدودا لا يمكن لك أن تتخيلها.
في الفيلم الأجنبي لم أستطع أن أتعاطف مع المرأة الخائنة، أما في المسلسل العربي فقد كنت طيلة متابعتي له أدعو الله أن لا يكتشف الزوج خيانة زوجته، وأن تكون هناك فرصة لأن تعيد الزوجة إصلاح الخطيئة الكبرى التي وضعت نفسها بها، والآن قمت بإغلاق شاشة التلفزيون، بعد أن شاهدت المشهد الذي يكتشف فيه الزوج رسائل الزوجة الخائنة عبر الماسنجر مع عشيقها السابق.
هذه اللحظات سواء أكانت عبارة عن مشاهد سينمائية أو حقيقية، يبقى وقعها مؤلماً لأقصى ما يمكن، ثمة اعتيادية في المجتمع على تقبل خيانة الرجل، إنني ألتقي بنساء كثر، يخبرنني بأنهن لا يصدقن أن يكون على ظهر هذا الكوكب رجل مخلص، وهو الأمر الذي لا أتفق عليه مطلقاً، لأنك حينما تنفي وجود مثل هذه الصفة، فيعني ذلك أنك تسعى لأن تجلب لنفسك الخائنين واللا مخلصين لحياتك، ولكن ماذا يعني أن تخون امرأة؟ ماذا يعني أن تنطلق امرأة خارج نطاق حياتها الزوجية، وتبدأ مغامرة مع رجل آخر؟ ما الذي تبحث عنه هذه الزوجة، هل هو الحب أو الشعور بالنشوة، أو الأمان والإحساس بمذاق الحرية والعبث، أو ربما تود أن تشعر بأنها لا تزال مرغوبة، فيما البعض يفضلن أن يعشن ذات الدور الذي يقوم به الزوج، ألا وهي الخيانة.
في حياتي الاجتماعية التقيت بنساء خائنات، ولم يكن يملكن أدنى سبب للخيانة، سوى أنهن أسأن استخدام الثقة التي أعطاها الزوج لهن، والغريب أنهن يصرحن بهذه الخيانة، مما يعني أن ثمة خللا أخلاقيا عميقا بداخلهن.
الخيانة قاسية جداً كما قلت سواء من الرجل أو المرأة، لكن تبقى خيانة المرأة أكثر مرارة، والآن أفكر لماذا أغلقت شاشة التلفزيون بمجرد مشاهدتي للحظة اكتشاف الزوج خيانة زوجته؟ أظن أنها التربية التي أكرهها أحيانا من أسرتي، وهي فرضية التعاطف الكبير حتى مع اللصوص، هذه التربية التي تسيطر فيها عاطفتك على مكامن عقلك ووعيك، أكرهها جداً، وما زلت ألوم أسرتي التي جعلتني أتعاطف في كثير من الأحيان مع المخطئين، لسبب واحد لأنها تؤمن بالسلام والرضا الداخلي، والحياة الزاخرة بالحب والتسامح، وأنه لا داعي لكشف المستور، وأن علينا أن نعطي فرصة للمخطئ لترميم خساراته مع الآخرين، وهذا ما يحدث معي الآن، لم أكن أريد أن يكتشف الزوج أنه كان مخدوعاً من قبل زوجته وحبيبته!