العالم العربي يغير شكله ويخلع ملابسه القديمة ويسلخ جلده، فقط راقب ودقق ولاحظ وسترى أن مرجل العالم العربي يغلي.. وتتزبد في قدره الفقاعات التي تنسكب وتسيح على أطرافه.

خلال سنوات عمري التي مضت شهدت ما حدث من خلافات ونزاعات وسوء تفاهم بين بعض الدول العربية مع بعضها الآخر بل تمادت بعض هذه الخلافات إلى حد أنها وصلت للتناوش والاشتباك القصير الذي لا يلبث أن يتوقف بفعل الوساطات والتدخل و"حب الخشوم"، كان حكماء القوم يرطبون النفوس المحتدمة ويترفعون ويتناسون ما قد صدر في إعلام الآخر من سب وذب وذم وشتم. كان بعض حكماء القوم من العرب يداوون جراحهم بالغفلة والنسيان والتغاضي ولهذا كان لهم -أحياناً- كلمة موحدة في حق بعض القضايا المصيرية المتفق عليها.

لكن بعد الربيع العربي صارت المواقف متعددة ومتغيرة وصارت القضايا القطرية المحلية هي الشغل الشاغل لكل وطن عربي.

فيما مضى كانت "فلسطين" هي القضية الأولى وربما الوحيدة لكن الحال تغير وصارت فلسطين ملفاً مهملاً ضمن عدة ملفات وقضايا عربية.

كان الخبر الفلسطيني في مقدمة النشرات الإخبارية، لكنه صار في مؤخرتها، لا لشيء إلا لأن بعض الشعوب العربية ضاقت ذرعاً ببعض حكامها المتسلطين الذين جثموا على أوطانهم ولم يسمحوا للحكم بالتداول ولم يمنح هؤلاء الحكام لشعوبهم حظوة العيش الرغيد وتنامي التنمية والكرامة والحرية، ومن هنا حدثت التحولات تباعاً في تونس وسورية وليبيا ومصر واليمن والعراق وهذا ما جعل هذه التحولات والأحداث التي سميت بالربيع العربي، تتصدر المشهد الإخباري وتتموضع في ثورة اهتمام المواطن العربي الذي أصابته الحيرة فلا يدري هل يحدث خريف الغضب العربي ربيعاً.

الواقع الراهن يقول إن التفاؤل الذي ساد عند بعض الشعوب العربية التي ترزخ بلادها تحت وطأة الدكتاتورية قد انقلبت إلى حالة التشاؤم تبعاً لما أنتجته هذه الثورات من عدم استقرار وغياب للأمن وانتشار الفوضى والإرهاب.

وفي هذه الأيام عادت القضية الفلسطينية "نجمة الشاشة" السابقة إلى سيادة المشهد الإخباري في كل أنحاء العالم بسبب الهمجية الإسرائيلية في عدوانها العنجهي على المدنيين من النساء والأطفال والرجال وتهديم البيوت فوق رؤوس ساكنيها.

ويقابل هذا العدوان السافر صمود غزاوي يثير الإعجاب، ورغم كل الخسائر البشرية والإنسانية التي تحدث لإخواننا الفلسطينيين في غزة إلا أنني سعيد من باب "رب ضارة نافعة"، ذلك أن الاعتداء الإسرائيلي الغاشم قد استفز الحس الإنساني من خارج العالم العربي في أوروبا وأميركا ولهذا خرجت المظاهرات والتنديدات بإسرائيل وجيشها في كبريات المدن والعواصم العالمية ورأينا كيف خرجت طوابير الاحتجاج تطوف شوارع لندن وباريس وروما وغيرها. إن هذه المعركة قد أسفرت للعالم عن وجه إسرائيل العنصري والعدواني البغيض وعرف العالم حجم الظلم الواقع على الفلسطينيين مما سينعكس أثره إيجاباً على القضية الفلسطينية التي ستقطف العديد من المكاسب في أقرب جولة تفاوضية.

أيضاً فإن أحداث غزة قد صهرت مشاعر الشعوب العربية وتركزت في القضية الأم.. أو القضية الأهم والقضية الأقدم.

كما أسهم العدو الإسرائيلي بهذا العدوان السافر والصفيق في إعادة الحد الأدنى من الوحدة والاتفاق العربي الذي افتقدناه منذ زمن طويل.

كما كشفت هذه الحرب على نحو غير مسبوق للعالم همجية إسرائيل مما سيترك أثره على مواقف الحكومات الغربية تجاه القضية الفلسطينية.

باختصار، فإن المحصلة النهائية لهذه المعركة -رغم حجم القتل والبطش والهدم- هي انتصار القضية الفلسطينية وحضورها في المحافل الشعبية والرسمية لدى الدول المؤثرة في هذا العالم.