أصدر التنظيم الإرهابي "داعش" بياناً، يتضمن تهديداً للمسيحيين العراقيين في مدينة الموصل، فإما أن يدخلوا في الإسلام، أو أن يدفعوا الجزية وفق "أحكام الشريعة"، أو يواجهوا الموت بحد السيف!، ونتيجة لهذا التهديد، خرج آلاف العراقيين من ديارهم ومنازلهم، بعد نهب وسلب أمتعتهم وأملاكهم من قبل الإرهابيين والقتلة، وهذه الأعمال الإجرامية تمارس تحت غطاء الدين والشريعة وذلك تحت مسمى "الجزية" للأسف الشديد.
ويهدف الإرهابيون من خلال فرض الجزية على المسيحيين إلى كسب المزيد من الدعم والتأييد لأعمالهم الوحشية، فهم يستغلون التصور الذهني للمسلمين فيما يتعلق بأمجاد الإسلام في التاريخ، وكيف كان المسلمون في الماضي يذلون أعداءهم وينتصرون عليهم بعزة الإسلام في فتوحاتهم وغزواتهم، بالإضافة إلى إعطاء الشرعية لحكم "الدولة الإسلامية" في العراق، وبث هيبتها وقوتها في نفوس العراقيين من خلال القتل والتنكيل بالضعفاء والمساكين من الناس، ناهيك عن زيادة تمويل الجماعة مالياً من خلال الاستيلاء على أملاك الناس وأموالهم.
ويحدث كل هذا في ظل صمت الكثير من فقهاء وعلماء المسلمين، صحيح أنهم يستنكرون الأعمال الوحشية ويستنكرون تهجير العراقيين المسيحيين وإجلاءهم من بلادهم، ويقولون إن الإسلام بريء من هذه الممارسات الإجرامية، ولكن في الوقت نفسه، لا يتحدثون عما يقوله الإرهابيون عن مسألة الجزية وحكمها في الإسلام.
ربما يعتقد بعض العلماء أن جماعة "داعش" وغيرها من الجماعات الإرهابية تستغل ما جاء في الدين والشريعة من أحكام الجزية، وهذا يعني أن ما يقوله الإرهابيون بخصوص ذلك صحيح، ولكن التطبيق خطأ فهؤلاء ليس لهم شرعية ويعتبرون من الخوارج، وذلك استناداً إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، والغريب في الأمر أن "داعش" أيضاً تستند إلى هذا الحديث في الرد على خصومها!.
وعلى هذا الأساس، يقع كثير من المسلمين في حيرة من أمرهم، فداعش عبارة عن جماعة تحاول إقامة دولة إسلامية، وتحاول تطبيق شرع الله، فهي حطمت الأصنام والأضرحة، وحاربت المشركين من الشيعة، وفرضت "الجزية" على أهل الكتاب، وطبقت حدود الله في رجم الزانية، وفي نفس الوقت يستنكر المسلمون هذه الأعمال، ويعتبرونها وحشية، فكيف يُطرد المسيحيون المواطنون من بلادهم بهذه الطريقة؟ وكيف ترجم امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة؟، ولماذا تهدم دور العبادة، أين احترام الأديان والمعتقدات وحقوق الإنسان، التي يقول العلماء أنها من صميم الإسلام؟
قد يقول قائل "إن داعش وغيرها، استغلت العموميات، من باب ذر الرماد في العيون، وأهملت الضوابط الشرعية التي أجمع عليها علماء الأمة، فربما طبقوا حد "الرجم" على سبيل المثال ولكن أهملوا الشهود، وكذلك بالنسبة للأحكام الشرعية الأخرى مثل فرض "الجزية".
ولكن الحقيقة المرة التي تم أغفالها من بعض الفقهاء وعلماء المسلمين، أنهم يعيشون الجمود على عتبة الموروث الديني التقليدي، وعدم تطورهم وانسجامهم مع الآفاق المعرفية للإنسان الحديث، هذا هو الداء المزمن الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية أما ما يخص السبب والعلة فالأصل والمصدر يكمنان في منطقة الفكر.
الفكر الديني للأسف يعتمد بشدة على التفسيرات والاجتهادات القديمة للنصوص الدينية الواردة في التراث الإسلامي، بكل ما تحفل به من اجتهادات صحيحة وخاطئة وسقيمة لا تتلاءم مع مقتضيات العصر، الأمر الذي أدى إلى ظهور التنظيمات والجماعات الإرهابية، ورد فعل معاكس من المسلمين وغير المسلمين ضد كل ما هو أصيل في الفكر الإسلامي.
والذين يحاولون نقد وتجديد هذا التراث يتهمون بالردة والإلحاد والزندقة، وبعض العلماء يحاولون قفل هذا الباب حتى لا يعطون الفرصة للعلمانيين والليبراليين وغيرهم من أهل الأهواء والضلال في نظرهم لهدم الدين والشريعة، وتبقى المشكلة كامنة في تفسيرات النصوص الدينية، وتزداد الجماعات الإرهابية قوة وإرهاباً ووحشية باسم الدين!.
لنأخذ على سبيل المثال مسألة "الجزية" في الإسلام، التي وردت في الآية (29) من سورة التوبة، وهي الآية الوحيدة التي تذكر الجزية، يقول الله تعالى: (قَاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، وحسب سياق الآية فإنها تتحدث عن نقض اليهود للعهد مع المسلمين، وبالتالي فرضت عليهم الجزية كعقوبة اقتصادية (الجزية في اللغة مشتقة من الجزاء) مع الإبقاء على حياتهم وممتلكاتهم، وعليه فإن الجزية تفرض على من عاهد المسلمين وغدر بهم ونقض المعاهدة، فكانت الجزية بديلا سلميا عن القتال والحرب.
ولهذا فإن الجزية لا تفرض على الآمنين والمسالمين من أهل الكتاب، ولا فرق بينهم وبين المسلمين في ظل مفهوم "المواطنة" في العصر الحديث، بينما نجد تفسيرات مختلفة للجزية في كتب التراث لا تتناسب مع مقتضيات العصر، بل تؤدي إلى إثارة الفتنة والطائفية بين أبناء الوطن الواحد.
ومن هذه التفسيرات القول بأن الجزية "هي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام، وهي فعلة من جزى يجزي إذا قضى"، وللأسف يتعامل بعض الفقهاء والعلماء مع مثل هذه التفسيرات على أنها "شريعة إلهية وشعيرة ربانية ثابتة بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة النبوية، لم ينسخها نص، ولا يغيبها اجتهاد، ولن يزيلها تحريف المتخاذلين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين!".
أما بخصوص الروايات الواردة في كتب الأحاديث النبوية عن الجزية، فهي أيضاً ينطبق عليها التفسير الاجتهادي للنص الديني، ولكن بعض الفقهاء والعلماء يجهلون أو يتجاهلون حقيقة أن المفسرون والفقهاء ينطلقون في تفسير القرآن والسنة على أساس التوقعات والمسبقات الذهنية لهم، وحسب رؤيتهم الخاصة للحياة والمجتمع الذي يعيشون فيه.