ما يجري الآن في غزة، من مقاومة ملحمية نضالية منقطعة النظير؛ ستدخل التاريخ، ليس العسكري فقط، ولكن حتى الإنساني، كواحدة من ملاحم النضال الإنساني، والتي قل أن تتكرر في التاريخ. وهذا يعتبر نصراً مجيداً لمشروع المقاومة العربي، ضد الاحتلال والغطرسة الصهيونية والتي هي بالطبع امتداد للنضال العربي، والذي بدأ بمقاومة الاستعمار الإمبريالي الغربي، وطرده من المحيط حتى الخليج. وها هو الآن يستميت نضالاً ليقتلع آخر قلاعه في المنطقة؛ أو يحجم تمددها الغاشم ويلجم غطرستها التي استباحت دمنا وأراضينا وكرامتنا ومقدساتنا الإسلامية والمسيحية.

هنالك من العرب وللأسف الشديد؛ مَن يعتبرون ما قلته في مقدمة المقال، تيبساً؛ ولغة خشبية وكلاما من الماضي، أكل الدهر عليه وشرب. وهو مجرد شعارات صبيانية كانت تردد في الخمسينيات والستينيات؛ وأدت بنا إلى الهزائم الساحقة والماحقة. السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا نحن ومن يتهم كل من يؤيد المقاومة العربية ضد الغطرسة والتوسع والتعنت والقتل الإسرائيلي البشع لأهلنا في فلسطين؛ بالتيبس والخشبية، وترديد شعارات الخمسينيات والستينيات؛ هو عندما تخلينا عن لغتنا المتيبسة والخشبية وشعاراتنا القديمة؛ واستكنا واستخدمنا لغة الميوعة والمتقرطسة "القرطاسية"، ( الميوعة مقابل التيبس والمتقرطسة مقابل الخشبية) والتي أدت بنا إلى وضع 99% من أوراق حل قضيتنا المركزية "فلسطين"، بيد الولايات المتحدة و1% بيد الدول الأوروبية؛ ماذا كسبنا؟ هل انتصرنا؟ هل جعلتنا لغة الميوعة ولغة القرطسة، نرفع راياتنا على منارات القدس وكنيسة المهد في قدسنا السليب؟ بل هل سمحت لنا بنشر ثياب غسيل أهلنا هناك، في أي زاوية أو ركن هناك؟ بل وبل، هل أعادت لنا شبر أرض يتكدس فيه جميع أهلنا في فلسطين؛ بدون أي إذلال ومحاصرة أو إهانة أو غطرسة واضطهاد من قبل العدو الصهيوني؟ لا لا، لم يحدث هذا.

بعد أن تخلينا كعرب، عن شعاراتنا النضالية، واعتبرناها لغة متيبسة وتبنينا الخيار السلمي، مع العدو الصهيوني ماذا كافأت إسرائيل العرب؟ لقد كافأتهم بغزو لبنان والعيث فسادا فيه، من قتل وتدمير وتقطيع أوصال، وتغذية كل فرقة وطائفة وعصبية فيه، لمدة عشرين سنة؛ حتى جعلت منه، مصطلح دمار عالمي "لبننة". أي فقد ثبت وبدون مجال للشك، أن الصهاينة عندما يدخلون قرية يفسدونها، ويعيثون في أرضها فساداً, ويجعلون من كل أهلها أذلة؛ وكذلك هم يفعلون.

الصهاينة لم يتخلوا عن شعاراتهم، والتي كانوا يرددونها منذ أكثر من قرن، أي منذ مؤتمر صهيوني عقد، ببازل بسويسرا، سنة 1897م. بل بالعكس زادوا لغتهم الخشبية والمتيبسة تيبساً وخشبية سنة بعد سنة. لا بل أخذوا يكرسونها، سنة بعد سنة؛ حتى أصبحت شعاراتهم، عقيدة صهيونية مقدسة لا يمكن التنازل عنها، أو التهاون بها، يغذون بها أطفالهم منذ السنوات الأولى في مدارسهم؛ ولذلك تغلبوا علينا، بيسر وسهولة، وأصبحوا أقوى قوة في منطقتنا العربية. وهكذا نحن تنازلنا وتميعنا، وهم تيبسوا وازدادوا تيبساً وتخشباً؛ فالتيبس على المبادئ في الحروب الطويلة الأمد؛ هي وقود النصر والدافع له؛ حيث لا يتغير الهدف، بل يتكرس ويزداد مع طول سنين الحرب؛ وخاصة حروب التحرر والكرامة.

عندما طرد العرب الفرنجة "الصليبيين" من فلسطين وجميع الأراضي العربية، كان ذلك نتيجة تمسك العرب بشعاراتهم الجهادية والنضالية، لأكثر من ثمانين سنة. لم يتخلوا عنها ولم يتهاونوا بها؛ ولم يوصم أحد من المؤرخين العرب، أو حتى الأوروبيين بأن خطابهم كان خشبيا ومتيبسا. حيث خطابهم النضالي الجهادي، الذي تمسكوا به؛ كان يحدد لهم معالم خارطة طريقهم للنصر المبين، وكان سبيل نصرهم على الفرنجة وطردهم من بلاد العرب، وتطهير مقدساتهم الإسلامية والمسيحية من دنسهم.

من شعارات الخمسينيات، "ما أخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة"؛ وهذا الشعار ليس بغريب عنا؛ فالحروب ضد الفرنجة أثبتت ذلك، وبكل جدارة. هذا من صلب تاريخنا النضالي العربي؛ ومن صلب حاضرنا النضالي كذلك؛ حيث تم طرد فلول الجيش الإسرائيلي الصهيوني المحتل، من لبنان؛ بالقوة كذلك. أي أن شعار ما أخذ بالقوة؛ لا يسترد إلا بالقوة؛ هو خارطة كفاح أزلية؛ ولا تختص بزمن، أو بحقبة؛ ناهيك عن أن نجيرها لعقد زماني أو عقدين، كما فعلنا.

كما أن من يتهمون مناصري المقاومة العربية ضد العدو والكيان الصهيوني، بتمسكهم باللغة الخشبية والمتيبسة؛ اتضح جلياً أن لغتهم أكثر تخشباً وتيبساً عندما تأتي المسألة لقضية نزاع مسلح داخل دولة عربية. حيث هم أكثر الناس مطالبة بإطالة النزاع المسلح وتسعيره داخل القطر العربي، الذي يمر بصراعات داخليه داخله، مثل سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال؛ ولو أدى ذلك إلى تدميرها وتمزيق كيانها، وتحويل نصف شعبها لجثث محترقة. قد أفهم وصمهم لمناصري مشروع المقاومة العربية، ضد الصهيونية؛ بالتخشب والتيبس؛ لو أن موقفهم كان كذلك سلميا وغير عنفي وتأجيجي، تجاه ما يجري في بعض الأقطار العربية. لو كانوا يدينون العنف من جميع الأطراف وبجميع أشكاله، ويسعون، أو حتى يطالبون، بوقف النزاعات المسلحة داخل بعض الأقطار العربية. ولكن أن يؤججوا الصراعات المسلحة داخل الأقطار العربية، ويطالبوا بالتدخل الأجنبي ويستخدموا لغة خشبية متيبسة، لا عروبية، ناهيك عن كونها إنسانية، تجاه ما يجري داخلها. وبنفس الوقت، يدينون من يؤيد المقاومة العربية؛ بالتيبس والتخشب؛ ليدل هذا على وجود تخشب وتيبس ضمير لا إنساني، ناهيك عن كونه عروبيا لديهم.

أي أن الذين يتهمون لغة العرب الذين يقفون قلباً وقالباً وخطاباً وشعاراً، مع أي مقاومة عربية، توجه رصاصها وصواريخها؛ تجاه العدو الصهيوني؛ بالتيبس والتخشب؛ هم من أفرغ الساحة العربية من الخطاب النضالي العروبي والإنساني المقاوم.

خاصة عندما واصل العدو الصهيوني الغاشم، إهاناته المستمرة والمتكررة وغطرسته وبطشه تجاه أهلنا في فلسطين ولبنان؛ أفسح المجال للحركات الأصولية لملء هذا الفراغ النضالي؛ وتحويل بنادقها، إلى داخل الأنظمة العربية، بحجة تخليها عن قضية العرب المركزية فلسطين، وتأسيس مشروع أو مشاريع أصولية رجعية إرهابية، توجه بنادقها تجاه العدو الداخلي أولاً؛ ثم الالتفات للعدو الخارجي بداية بالقوى الداعمة لإسرائيل؛ ثم الالتفات إلى إسرائيل لاحقاً. هذه خارطة طريق الحركات الأصولية المتصهينة؛ قد جعلت إسرائيل آخر أهدافها.

مرحباً باللغة الخشبية والمتيبسة؛ إذا كانت موجهة ضد العدوان والصلف الصهيوني ضد شعبنا الفلسطيني المغتصب. ولا وألف لا للغة الميوعة والتقرطس، المتملقة للهيمنة الإمبريالية والساعية إلى حرف النضال العربي، عن العدو الصهيوني. لا وألف لا، للغة التيبس والتخشب، والداعية إلى تخريب وتدمير أي دولة عربية؛ مهما كان مأخذنا عليها. نعم وألف نعم للغة المهادنة والسعي الحثيث لإصلاح ما يجري في بعض الدول العربية. فوطننا العربي يستحق منا لغة المهادنة، لزرع التقدم والتعايش فيه، بين حكامه وشعوبه. وشعبنا الفلسطيني المناضل؛ يستحق منا أن نقف معه وندافع عنه ولو بكلمات مكتوبة بقلم رصاص خشبي، أو نصدح له من حناجرنا المتيبسة، من عطش الصوم؛ بأنه الواحد المنتصر بيننا.

فاغفر لنا ضعفنا يا شعبنا في غزة، وأرنا قوتك، يا من خلقت القوة من ضعفك، وخلقت الضعف من قوة خصمك, اللهم انصر شعب الجبارين.