العيد وثبة النور في المحاجر، وتلويحة العصافير في المرافئ المغسولة بالندى الضاحك، والعبق العالق داخل الروح، يوقظ المدارات المخملية ويشعل التوق في عيون الحياة والمجاهيل القصية، إنه موعد مع قطاف العمر وجموح الزمن، والوقوف على أبواب النهار القادم وصهد الأيام المنسربة، والالتفاتة المنكفئة إلى رغوة الأمس الهارب كقطرات المطر الليلي، يناغيه ويناجيه كل البشر وتستطيبه كل القلوب المستفيقة على الفرح والغبطة، ولكن الشعراء يبوحون بما يختلج في ذواتهم ويتعرون أمام هودج العيد، فتصرخ حناجرهم بمرارة قاسية وتواريخ بكاء عات، وضيق محرق وسأم ممض أو حنين شارد، وابتسام أنيق وإشراق مبهج، وعطور تريق كؤوسها عذوبة على الفجاج الفساح، هذا الشاعر "جاسم الصحيح" ينشد على قارعة العيد: "أعمارنا كالدمى قومي نفتتها.. في قبضة العيد قومي نخلع الطينا، فلاحنا العيد ما افترت سواعده.. إلا وساقية الأحلام تروينا، ما قيمة العيد عند العاشقين إذا.. أسرارهم فيه لم تنحر قرابينا"، ويقول الشاعر "فهد العسكر" وهو في قبضة البؤس والكآبة: "ذكرى أثارت غافي الأحزان أشجاك يوم العيد ما أشجاني، يا للتعاسة لا حبيب أرتجي منه الوصال ولا أخ واساني، لا أشكرن مهنئي بالعيد بل شكري الجزيل لمن به عزاني". ولكن الشاعر "زاهر بن عواض الألمعي" -شافاه الله- يتصبب شوقاً وحنيناً إلى دياره البعيدة، لتنفتح القصيدة على مكابداته وسوانحه حين مر به العيد وهو بعيد عن مرابع أهله وملاعب صباه ليرسل انثيالاته المرهفة، وليستسلم لمخياله الشعري: "يا عيد بلغ أسرتي وبلادي.. أزكى تحياتي وشوق فؤادي، وانقل لهم يا عيد وصف مشاعري.. وأبن لهم عن لوعتي وودادي"، إلى أن يقول: "يمتد طرفك من مشارف (تهلل).. فيرى الربى منداحة الأبعاد، في ربوة الشعبين في" وادي حلي".. في رأس غمرة موطن الأصياد. أما الشاعر "حسين سرحان" الفيلسوف الغاضب دائماً تحت وطأة الدمار النفسي الصادم، وما يكسو شعره من فضاءات الشكوى والانكسار والحدة، يرفض العيد والمعايدة: "أنا لا أعايد مطلقاً أنا لا أعايد لا أعايد، العيد ماذا؟ لا مباهج لا مكارم لا محامد، الناس ذؤبان تريد الفتك بالغنم الشوارد، العيد ماذا؟ في الشرور وفي النوائب والمكايد". ولكن الشاعر "عمر أبو ريشة" بمزاجه الشعري الهائل ومخزونه القومي الحي، يقول في حماسة مؤثرة ونغم إنشادي آسر مخاطباً العيد: "يا عيد ما افتر ثغر المجد يا عيد.. فكيف تلقاك بالبشرى الزغاريد، فتلك راياتنا خجلى منكسة.. فأين من دونها تلك الصناديد، يا عيد كم في روابي القدس من كبد.. لها على الرفرف العلوي تعييد، سينجلي ليلنا عن فجر معترك.. ونحن في فمه المشبوب تغريد"، وأخيراً يؤكد الشاعر "عبدالعزيز المقالح".."أن العيد في المدينة للأطفال وحدهم، وفي القرية العيد للجميع _ سكان المدينة تموت طفولتهم في العاشرة _ أما سكان القرية فلا تكبر طفولتهم".