الإعلام الجديد هو من حشد المتظاهرين في برلين ونيويورك وباريس وفي ساحة "ميوسيامبلين" في العاصمة الهولندية أمستردام ضد إسرائيل، وهذه ظاهرة جديدة تعني أن فلسطين انتصرت إعلامياً.
استطاع الإعلام الجديد أن ينحاز بالرأي العام الدولي لصالح فلسطين خلال أيام قليلة من بداية العدوان الصهيوني على غزة، وهو ما عجز عنه الإعلام العربي التقليدي في الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، التي رغم أنها امتدت لأعوام وكان بها الكثير من الصور التي نستطيع أن نستغلها لصالحنا، ورغم كل ما دفعته فلسطين من أجل صمودها بالدماء والأرواح؛ إلا أن الإعلام العربي لم يستطع أن يشكل رأيا عاما دوليا ضد إسرائيل، ولم نشاهد قبل أن يأتي الإعلام الجديد أي شخص في العالم يحمل شعارات مناهضة لإسرائيل، ولم نر نائبن بريطانيا يكتب: "إن كنت أعيش في غزة، هل كنت سأطلق الصواريخ على إسرائيل؟ على الأكثر كنت سأفعل"، ومن ثم يرفض الاعتذار عما كتبه رغم الضغوط التي واجهها، ولم نشاهد المئات يتظاهرون أمام البيت الأبيض وفي المدن الرئيسة حول العالم ضد إسرائيل، وذلك لعدة عوامل أهمها أن إعلامنا العربي التقليدي حتى الآن لم يصل بخطابه للشريحة الدولية، ومازال تأثيره محصورا في عالمنا العربي الذي لن تغير الأخبار اليومية عن فلسطين من قناعته ورأيه بأن فلسطين هي قضية المسلمين والعرب الأولى وأن إسرائيل ورم سرطاني يجب استئصاله بقدر ما يعمق فيه الشعور بالهوان والعجز عن نصرة إخوانه في فلسطين، وبالعكس تماما من الإعلام الجديد الذي تمكن الشباب الفلسطيني والعربي والمسلم من استغلاله لنصرة القضية الفلسطينية، واستطاع خلال أيام من حربها الأخيرة مع المغتصب الصهيوني أن يصل بالفيديو والصورة لكل هاتف في العالم ليخبرهم بمدى إجرام الكيان الصهيوني ضد الأطفال والنساء والشيوخ، وبشاعة جرائم الحرب التي يرتكبونها يوما بعد يوم دون هوادة ويترك للمتلقي الخيار في ردة الفعل وغالباً ما ينحاز للإنسانية، لا أعتقد أن أي شخص في العالم شاهد الفيديو الذي رصد من خلاله مصور الـCNN "طلال أبو رحمة" مقتل الطفل محمد الدرة أن ينساه، أو تقفز ذاكرته حاجز الإجرام الإسرائيلي ضد الإنسانية والطفولة كلما طرأت له قضية فلسطين، فكيف يستطيع أن ينسى أي شخص لم تصله حقيقة القضية الفلسطينية من قبل صور ضحايا الإجرام الصهيوني، وقد أصبح لدينا أكثر من طلال أبو رحمة يرسلون للعالم كل لحظة وعلى مدار الساعة ما هو أشد بشاعةً من مقتل محمد الدرة.
الشباب في غزة لا يحاربون فقط بالأسلحة بل هناك جنود يحاربون بهواتفهم النقالة التي بوسعها أن تجعل العالم كله يقف ضد إسرائيل إثر ما تنقله لهم هواتفهم من مشاهد حية وحقيقية للجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الأطفال واستهدافها للمستشفيات والمدارس والمساجد.
استطاع جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الأيام القليلة الماضية أن يقطع الكهرباء عن غزة لمدة 20 ساعة في اليوم، وأن يبيد 16 فردا من عائلة البطش و26 فردا من عائلة أبو جامع و20 فردا من عائلة الحاج إثر تدميره للمنازل بمن فيها من المدنيين، وقتل عائلة الأسطل والحاج وليست بآخرها عائلة حمد، ومن الإنجازات التي يتفاخر بها المغتصب الإسرائيلي قنصه طفلا عمره 5 سنوات برصاصة في الرأس، وقتل 4 أطفال من عائلة آل بكر وهم يلعبون كرة القدم على الشاطئن واستهداف 116 مؤسسة تعليمية و139 مؤسسة خدماتية و59 مسجدا، وقصف مستشفى شهداء الأقصى بأربعة قذائف..
استطاعت إسرائيل أن تفعل ذلك كله فوقعت في الفخ وانهزمت، كانت تعتقد أنها تستطيع فعل كل هذا كما فعلته في الحروب الماضية دون أن تظهر حقيقتها للعالم بفضل دعم الإعلام الصهيوني لها وتغطيته لجرائمها، بل وعكس الصورة والتوضيح للعالم بأن من يقتل ويشرد وتنتهك مستشفياته ومعابده هي إسرائيل، ليقف العالم كله معها ضد الفلسطينيين الذين يعتم الإعلام العالمي على كل صورة أو خبر يعمل لصالحهم.
نسيت إسرائيل أن الإعلام الصهيوني التقليدي لم يعد بوسعه أن يخدمها وصدمت من ردة الفعل الدولية التي حدثت الآن والتي صنعها الإعلام الجديد الذي اخترق جبروت وهيمنة الإعلام الأوروبي والأميركي خلال العقود الماضيةن وكانت جهود شباب فلسطين خلال الأيام الماضية من خلال قنوات التواصل الاجتماعي، ورصدهم ونشرهم كل صور الاعتداء الوحشي الذي تشنه إسرائيل على غزة كافية لقلب الطاولة في وجه إسرائيل والإعلام الصهيوني، وتأجيج الرأي العام ضدهم فهرولت تطالب بالهدنة وهي توجه اللوم لمستشاريها الإعلاميين الذين لم ينبهوها لمخاطر الإعلام الجديد عليها، والذين هم بأنفسهم مازالت الصدمة لا تسعهم كيف أنهم لم يتنبؤوا بهذا الخطر الذي هزمهم وسحب منهم تعاطف الرأي العام في أوروبا وأميركا بشكل غير متوقع.
يعاتبني الشاعر عمرو العامري وهو يراني أكتب بأن فلسطين انتصرت إعلاميا قائلا: "النتيجة على الأرض.. والقتل والتدمير واستباحة الأرض والسماء.. هذه الحشود لن تقدم أو تأخر في ما يحدث.. والعبث هذا يجب أن يتوقف حالا، ولكن لا أحد يستمع للعقلاء".. أتفق معه، ولكنه لو شاهد كيف أن إعلامنا الجديد استطاع أن يصل لأقصى مدى حتى جعل فتاة إسبانية تعتصم في مشهد تمثيلي بأنها مقتولة جراء قصف إسرائيلي وقد لطخت نفسها باللون الأحمر دلالة على الدماء التي سفكتها إسرائيل بممشى النجوم في أشهر أرصفة هوليوود بل وأشهر الأرصفة في العالم وبجوارها لافتة كتبت عليها: "ليس بشيء مهم هنا.. فقط فلسطيني آخر قد قتل استمروا بالسير" لتعلن هزيمة إسرائيل الإعلامية. وبأننا بإعلامنا الجديد استطعنا أن نكشف الحقيقة التي حجبها الإعلام الصهيوني طويلاً، من حقنا أن نكسب الرأي الدولي وأن نحتفي بانتصارنا على الإعلام الصهيوني في قضيتنا الأولى.. فلسطين، وفي معركة هامة للغاية.. معركة الإعلام وكسب الرأي العام.