نحن في إجازة ومن المفروض أو المتوقع أن أبناءنا يقضون جل وقتهم وهم بيننا، وهذا الوقت يجب أن يُستغل إلى أقصى حد في التقرب منهم والتعرف على مواهبهم، قد نفاجأ بالكثير إن نحن فقط ركزنا وانتبهنا لما يدور في عالمهم، المطلوب هنا ليس التدخل ولكن تقديم الدعم.
قرأت مؤخراً قصص نجاح لفتيان وفتيات لم يتعدوا السادسة عشرة من العمر ولكنهم أصبحوا يمتلكون الخبرة والشهرة الكافية، ليس فقط للقيام بما يلزم للاستمرار والارتقاء، بل أيضاً في الإصرار على مشاركة أقرانهم في المدارس بما تجمع واختزن لديهم من الخبرات ليبرهنوا على أنه لا يوجد فكرة سخيفة أو مشروع فاشل، يوجد قليل من البحث والتخطيط ومن ثم اتخاذ خطوة البدء والإرادة والإصرار على المواصلة والمواجهة.
والذي فعلا شدني إلى متابعة قصصهم هو مشاركتهم في مساعدة الفقراء ودعم قضايا تهم أقرانهم، الفنانة مثلا تقيم معارض وتتبرع بريعها لضحايا الكوارث الطبيعية، سوف نقدر نسبة تبرعاتها حين نعلم بأن إحدى لوحاتها بيعت بمبلغ خمسة وعشرين ألف دولار! والكاتبة تقوم بورشات تدريبية في المدارس دون مقابل تساعد فيها التلاميذ على كيفية إيصال أصواتهم من خلال الكتابة، أما الذي دخل عالم الأعمال الحرة فهو يتبرع بجزء من أرباحه لما يسمى "مطبخ الحساء"، حيث يتم إعداد الحساء للمشردين يدخلون ويتناولون الحساء والخبز دون مقابل، وحين نعلم بأن عدة مطابخ تم تجديدها وترميمها من تبرعاته نستطيع أن نتخيل حجم هذه التبرعات.
القصص كلها تدور حول شرارة تمت ملاحظتها من قبل الآباء والأمهات، فتم التشجيع والدعم، بمعنى تحريك الرياح لتتحول تلك الشرارة إلى شعلة، ليس المطلوب معجزات أو العمل خارج حدود الإمكانات، المطلوب هو الإيمان بقدرات الأبناء.
دخلت الطفلة إلى "الكراج" حيث كان الأب مشغولا بتصليح طاولة من الخشب، فطلبت منه أن تساعده، وبدلا من صدها والطلب منها مغادرة المكان، كما يفعل الكثير من الآباء في مثل مكانه، أعطاها قطعة خشبية صغيرة وفرشة وبعض الدهان، فاختارت ركنا وبدأت بالعمل، ما أدهش والديها أنها أخرجت من بين يديها ما دل على أن لديها موهبة، لم ينتظرا كي تبدأ الدراسة وتتلقى هذا العلم من حصص الفنية، ففي اليوم الثاني أحضرا لها لوازم الرسم وأصبح لها ركن في الكراج خاص بها حولته إلى مرسم، نسيت أن أذكر بأنها كانت في الرابعة من عمرها حينها، واليوم هي في الثانية عشرة تقيم المعارض وتكتب عن أعمالها المجلات والصحف المختصة.
شاهد الفتى أخته وهي تبيع شموعا معطرة كمشاركة في عمل خيري لمساعدة فقراء الحي، ومن الأعمال الخيرية التي تقوم بها الأسرة أيضاً شراء علب الحساء وتوزيعها على "مطبخ الحساء" للمشردين، فجاءته فكرة أن يعمل على صنع شموع معطرة ولكن للرجال أو حيث يتواجد الرجال ولا يرغبون بأن يكون محيطهم معطرا بروائح أنثوية، في بادئ الأمر صرفها من تفكيره ولكنه بعد شهر عاد إليها ولكن هذه المرة فكر أن تكون في علب الحساء الفارغة، وبهذا يفيد البيئة ويكون شكلها أيضا ذكوريا، وباع أول علبة لأحد أقربائه، وسرعان ما انتشر الخبر وتهافتت عليه الطلبات وأصبح لديه زبائن، كطفل في الثالثة عشرة من عمره، كان أحيانا يفضل الخروج للعب مع أصدقائه، وهنا كان يأتي دور الأهل حيث كانوا يتركون له حرية الاختيار بعد التفكير بنتائج القرار مثل خسارة رضا الزبائن في حال لم يتم تسليم الطلبية حسب الوعد المتفق عليه مسبقا، وعليه قام بالتخطيط ووضع الجداول بحيث لم يحرم نفسه أو يخل بعقد عمل، ليس هذا كل شيء، لقد تطور عمله واتسع بحيث أصبح لديه مصنع صغير يعمل فيه ذوو الاحتياجات الخاصة، وبهذا أصبح يخدم المجتمع بأكثر من طريقة، ووصلت قصة نجاحه للصحف، ولم يكتف بهذا بل يدور على المدارس ليلقي محاضرات لكي يشجع أقرانه على التفكير والإبداع.
أما الكاتبة الصغيرة، فلقد كتبت أول قصة لها وهي لم تتجاوز السادسة من عمرها، لم تكن قصة ذات مغزى ولكنها كانت لها بداية وحركة ونهاية وكل ذلك في صفحتين، ولكن والدتها قامت بطباعتها لها وتجليدها وأضافت أيضاً بعض الصور، تشجعت الصغيرة، وبدأت تقضي الكثير من وقتها في الكتابة، وما أن وصلت إلى سن السادسة عشرة من عمرها حتى أصبحت لديها أكثر من رواية منشورة، تعرض فيها قضايا من هم في سنها من وجهة نظرهم، وانضمت في هذه السن الصغيرة لإحدى أرقى الجامعات التي سارعت إلى تسجيلها في هذه السن المبكرة تقديرا لموهبتها، وهي أيضاً لم تنس أقرانها وتدور على المدارس لكي تعطي ومن دون مقابل ورش عمل في الكتابة.
قصص نجاح ولدينا مثلها ولكنها قليلة وغير معروفة، كان يوما لدينا الإبداع خاصة لو أننا قرأنا عن قصص نجاح العصاميين في مجتمعاتنا، ولكن مع تغير نوعية المعيشة والمجتمع الحاضن، اختفت تقريبا هذه الظاهرة، وخسرنا الكثير معها، نستطيع أن نحييها.. لو أننا فتحنا فكرنا وتقبلنا الاحتمالات، وانتبهنا للمواهب لدى أبنائنا، ومن ثم قمنا بالدعم وهذا بالطبع لا يعني أن نقوم عنهم بالعمل، كل ما علينا هو التوجيه، وبالتأكيد يجب ألا ننسى إحياء التعاطف وخدمة المجتمع بدواخلهم، ليس عن طريق الخطب والمواعظ بل عن طريق القدوة.
أحببت أن أعيد عليكم بما يعطينا الأمل بغد أفضل لأبنائنا بإذن الله.