بعيدا عن جدلية "من المثقف؟"، وما طرأ عليها من إضافات إثر التحولات التي يمر بها عالمنا فينعكس ذلك على تفاصيل حياتنا بما فيها الثقافة والتعاطي مع عناصرها المتعددة، بعيدا عن ذلك كله، وعلى أساس أن دوائر النقاش التي تعمل على تحرير مفهوم المثقف برمتها صحيحة ومقبولة، وعلى اتفاق أن المثقف مفهوم شامل يحتوي المبدع والمفكر والمعلوماتي وذا الحرفة والمهارة والاستعداد للتعلم، فإن ما يرجوه عنوان المقال هو تحرير مصطلح "الشعب"، واستكناه تلكم العلاقة بين المفهوم الجمعي للشعب، وبين المثقف كونه قادرا على استجلاء الرؤية المستقبلية عبر قراءة الواقع وتفكيكه، ثم العمل على صياغة واقع جديد يبرر التغيير الذي سيطرأ باعتبار التحولات المرحلية المتزامنة، مع تسارع التقانة واشتغال الناس "الشعب" بها وانغماسهم في مستجداتها.

والحق أنه لا يمكن التأكيد بأن عزلةً تشوب المثقف وتبعده عن قضايا مجتمعه وهمومه بالكلية، فلطالما وجدنا مثقفين دفعوا ثمنا غاليا في سبيل إيصال صوت المجتمع ومناقشة مشكلاته والمنافحة عن انتهاك وجوده المادي أو المعنوي، غير أن ما يرسخ تحت دلالة العنوان هو نوع العلاقة التي تربط المثقف ـ بمفهومه الشمولي كما اتفقنا ـ مع رجل الشارع البسيط، ذاكم الذي لا تهمه النظريات ولا بريق المصطلحات، كما أنه لا يحضر الندوات ولا يعنيه نتاج المثقف مكتوبا كان أم منطوقا، فهو مشتغل بلقمة عيشه وحياة أسرته الصغيرة، وما توفر من خضم الوقت المثقل يبدده في اتكاءة يسيرة في مقهى شعبي أو نزهة متواضعة مع "ربعه"، هذا النموذج الممثل لشريحة عريضة جدا هم "الشعب"، كيف ينظر إليهم المثقف وكيف يرونه هم؟

هل ما يزال صاحبنا يكتب للنخبة ولنخبة النخبة فحسب، ويعيد إنتاج سارتر وفولتير وكارل ماركس؟ أم أنه يترفع عن شعبوية التعاطي مع العامة، ويحبذ الأماكن المخملية الأجواء؛ ليصدح بآرائه ويبث حلوله

"الفخمة" في تلك الطقوس؟.

نحن إذن في حاجة إلى رسم معالم واضحة للقنطرة المبتغاة بين المثقف و"ناسه"، والضمير هنا يعني نحن المؤسسة التعليمية والثقافية، ونحن الفاعلين في المجتمع فكريا وفنيا وتوعويا، ونحن الناس.. الشعب.

اقتراب المثقف من الناس ليس خطرا محضا، وبالتأكيد ليس كل الخير، لكنّ الطرفين في حاجة إلى الخطوات المتقابلة التي تقود إلى مساحة مشتركة لتلتقي الآمال والآلام، ثم لا يمنع أن يعود المثقف إلى عزلته الموقتة، والناس إلى معتركهم، فيختبر كل منهما "المثقف والناس" الحلول المقترحة في إطار تجريبي أزعم أنه لا بد أن يترك أثرا وإن تأخر.