كل العالم يرى ويسمع ما يجري في غزة، ومع وجودنا في عصر المعلومات، وما يكتنفه من وسائل تواصل لم يعد هناك شيء يمكن إخفاؤه أو الالتفاف حوله، وتنقل لنا وسائل الإعلام كلها ووسائل التواصل الاجتماعي بدقة متناهيه ما يجري في غزة من تقتيل من قبل العتاد الإسرائيلي المتقدم جدا، وبكل وسائله من طائرات مقاتلة وطائرات هليوكبتر وراجمات وصواريخ.. على من؟!

على شعب أعزل محتل مقفل الحدود، ليس فقط لا يملك جيشا عسكريا، ولا عتادا حربيا متقدما ولا آلة عسكرية من أي مستوى يدافع بها عن نفسه ضد محتل آثم مغتصب للأرض، بل حتى إن هذا الشعب الذي يتم الهجوم الضاري عليه لا يُمكَّن من علاج جرحاه إذ أغلقت المنافذ في وجهه، ويُمَنع حتى من حصوله على الخدمات الإنسانية، في أي عالم نعيش نحن؟!

وقد يقول قائل: لماذا وصل الأمر إلى هذا الحد؟

الجميع يعرف كل الجهود التي بذلت منذ أوسلو في الثمانينات مرورا بالجهود المبذولة، وحتى المبادرة العربية التي حملت مقترحات عادلة للطرفين، تم رفضها من قبل المحتل الغاشم، ويتم شراء الوقت بهدف ابتلاع الأرض، وما انطوى وينطوي على ذلك من قتل وهدم منازل ومزارع، وابتلاع الأشجار المثمرة، وبناء المستوطنات، وإحلال المستوطنين فيها على الأرض، التي يتم اغتصابها بهدف الوصول إلى هدف استراتيجي يتم رسمه بدقة، وهذا الهدف هو إحلال أكبر قدر من المستوطنين على أكبر قدر من الأرض، إلى أن يصل تهجير المستوطنين ذو صعوبة بالغة، وطردهم مشكلة إنسانية لا يمكن تبريرها حتى وإن كانوا على أرض مغتصبة ومحتلة.

الفلسطينيون تعبوا من المفاوضات غير المجدية، التي لا تتقدم خطوة واحدة، فلا يتم إعطاؤهم أرضا، ولا يتم السماح بإعلان الدولة، ولا يتم إيقاف بناء المستوطنات، ولا يتم إيقاف الآلة العسكرية من التقتيل، ولا يتم التوقف عن هدم المنازل واقتلاع الأشجار، حتى تلك التي تحتاج إلى ست سنوات كي تثمر مثل أشجار الزيتون التي تعدّ من أهم مصادر الدخل في فلسطين.

أسباب ما يجري الآن في ظني أن الفلسطينيين قد أوصلوا إلى طريق مسدود، هم يدركون أن دخولهم في هذه العملية غير المتكافئة فيه مغامرة كبيرة، لكن عندما لا يكون لديك إلا طريق واحد تطرقه أين تذهب؟! فعندما تُحاصَر وتُقتَل وتُغتَصب أرضك ويُهدَم بيتك وتُقتَلع أشجار مزرعتك وتُقفَل المنافذ عليك، كيف ستتصرف؟!

ومع كل الاعتبارات المببرة السابقة كان ما كان، لكن مع تجاوز كل تلك الاعتبارات، ما الذي يبرر نوع القتل الذي نراه؟ ما الذي يبرر قتل الأطفال الأبرياء والمدنيين العُزّل والنساء والشيوخ؟ ما الذي يبرر الاستمرار في هذا النوع من التقتيل؟ ما الذي يبرر هدم المدارس والمستشفيات؟ ما الذي يبرر منع وصول المعونات الإنسانية؟

يجب أن تنحاز الدول المجاورة لفلسطين لمساعدتها في الخروج من أزمتها، بعد التصعيد الذي نراه والمتمثل في قتل الأطفال والمدنيين وهدم المدارس والمستشفيات.

لا بد أن يتخذ العرب "جميع العرب" مواقف أكثر صرامة، ويستخدمون نفوذهم وصداقاتهم مع الذين يمكنهم إيقاف إسرائيل عند حدها، ليس فقط بإيقاف التقتيل الذي يتم في غزة، ولكن بقبول المبادرات وإيقاف المستوطنات وإعلان الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وفق المبادرات التي قبلها الجميع ما عدا إسرائيل.

لقد اتضح للعالم كله صلف إسرائيل وعنادها ومراوغاتها، واتضح للجميع أن التقتيل الذي يتم الآن ليس بحجة الصواريخ، وليس بحجة المراهقين من أبناء المستوطنين، الذين اختطفوا وقتلوا، بل الهدف إبادة الفلسطينيين وإيجاد الذرائع على استمرار العدوان وبناء المستوطنات والتوسع ببلع المزيد من الأرض الفلسطينية الباقية التي اتفق على إقامة الدولة الفلسطينية عليها.

إننا كعرب جميعا أمام مسؤولية تاريخية للوقوف بحزم، واستخدام نفوذنا والوقوف صفا واحدا وكلمة واحدة ضد ما يجري، أولا بفتح جميع المعابر بشكل دائم، وثانيا الوصول بشكل عاجل إلى تسوية نهائية يتم فيها إعلان الدولة الفلسطينية؛ لتقف مشروعات بناء المستوطنات، وتمارس دولة فلسطين دورها كدولة مستقلة عضو في هيئة الأمم المتحدة ودولة آمنة.

حان الوقت لوقف عبث إسرائيل، واستخدامها الذرائع واحدة تلو الأخرى، لا لسبب إلا لاستمرار بناء المستوطنات وقتل الفلسطينيين وبلع أرضهم. هذا الذي يتم على مرأى ومسمع من العالم العربي والإسلامي، إذ يتفرجون على ذلك يتم أمامهم ولا يحركون ساكنا سوى الشجب والاستنكار، والعالم الغربي الداعم لإسرائيل لم يعمل شيئا له أثر ملموس، يمكن أن يشعر به الفلسطينيون بأن هناك ضوءا في آخر النفق المظلم جدا.

والسؤال الكبير جدا: هل العالم كله جاد في إيجاد حل للقضية الفلسطينية؟! إن كان ذلك وإلا اتركوا الفلسطينيين بما بادروا به، فيبدو أنهم يجربون شيئا جديدا له أثر كبير، وربما أعاد كرامة العرب والمسلمين كلهم بعد حين قصير.. وكان الله في عوننا وعونهم والله المستعان.