ضحكت كما لم أضحك في حياتي على الخبر الذي تصدر صحفنا المحلية في الأيام الماضية، وجاء الخبر تحت عنوان ("الخطوط السعودية" تنسى شحن أمتعة الركاب في رحلتها المتجهة إلى لندن)، المضحك في الأمر أنني قبل فترة كنت قد قررت أن أكتب مقالاً أمتدح فيه الخطوط السعودية، وكان هذا الأمر نابعا من "وطنيتي" فقط لا غير، كنت أشعر بالغيرة الشديدة على هذه الشركة الرائدة، وكنت أود أن أبث لموظفيها ومسؤوليها الحماسة والاندفاع نحو العطاء، بالرغم من المساوئ التي لا تخفى عن المواطنين، لكني أجد وبكل أمانة أنه من الواجب علي أن أقول إن موظفي هذه الشركة الوطنية بحاجة ماسة إلى الرعاية والاهتمام، إذ إن مجرد رؤيتي لأي موظف في الخطوط، مترجلاً من مكتبه أو حتى محدثاً إياي، أشعر بكم الغلب الكبير الذي يعيش فيه، وهذا أمر سيئ للغاية، فأنت تريد موظفا يشعر بالسعادة لأنه يخدمك، لا موظفا تشعر بالتعاطف والشفقة عليه، ولكن للأسف الشديد هذا ما ألحظه دائماً، فموظف الخطوط مجرد موظف مهمل من جميع الجوانب، بائس الحال، منكسر ومهموم، ولديه مشاعر مكبوتة من الغضب تجاه وظيفته، وهذا مؤشر غير صحي على الإطلاق، وأنا كمسافرة أتمنى أن أجد جميع العاملين في مطاراتنا المحلية، بأفضل حال من جميع النواحي، ابتداءً من عامل المقهى وحامل الحقائب، وحتى مدير العمليات التنفيذية للخطوط، أتمنى جداً أن أرى السعادة تملؤهم وأن يشعروني بسعادتهم أثناء تأديتهم لمهام أعمالهم المختلفة، وهذا لن يتأتى طالما الموظف يشعر بالقهر وعدم التقدير لعمله.

ولنأتي للخبر المثير والمخيب للآمال في ذات الوقت، ولأني كثيرة السفر فأنا أدرك مدى أهمية وجود الحقيبة مع المسافر بأي شكل من الأشكال، وأشكر الله دون قصد أن سفري على الخطوط السعودية خارج المملكة محدود للغاية، ولم أتعرض لمثل هذه المواقف إلا مرة واحدة، وذلك أثناء عودتي من "برشلونة" على الخطوط القطرية، التي نسيت هي الأخرى أن تشحن حقيبتي من الدوحة إلى مطار الملك فهد بالدمام إلا في اليوم التالي، والحمد لله أنها وصلت دون أن ينتقص منها شيء، وكنت سعيدة بعدم وجود أي نقص من أمتعتي، إذ سبق لي أن تعرضت لعدد من المرات للسرقة، فقد تمت سرقة كاميرتي الشخصية ومجوهرات وساعات، وجميع المسروقات تمت سرقتها بشكل متفاوت، ولم أتصور مطلقاً أنه يمكن لأي شخص سرقة أمتعة المسافرين، ولكني الآن بعدما واجهت مثل هذه المواقف السيئة، فأنا أنصح الجميع بأخذ احتياطاتهم، وشراء الحقائب المزودة بأقفال وأرقام سرية.

وتصورت نفسي واحدة من المسافرين على هذه الطائرة، واكتشفت أن الخطوط التي سعدت بالسفر عليها، ودفعت لها ثمنا لا يستهان به، تنسى شحن حقيبتي، تُرى أي حال سيكون عليه موظف الشركة وهو يشرح للمسافرين هذا الخطأ، إذا كنت أنا شخصياً لا أجلس على كرسي المسؤولية وأشعر بالخجل الشديد حتى وأنا أكتب المقال، فما هو وضع المشرف على الخطوط السعودية في مطار هيثرو، وهو يخبر المسافرين بهذه الغلطة؟

فلنتصور أنني تلقيت الخبر من المشرف على الخطوط في هيثرو، بالتأكيد لن يكون هناك أي فائدة من الصراخ والغضب أو لوم الموظفين على إهمالهم، أو حتى التهديد بإرسال شكوى إلى مدير الخطوط، كل ما سأفعله أني سأذهب إلى الفندق دون حقيبة، ولنفترض أنني استقليت تاكسي إلى وسط لندن على سبيل المثال، سيكلفني التاكسي ما يقرب من 60 إلى 75 جنيها إسترلينيا، أي 443 ريالا سعوديا، وما أن أصل إلى الفندق ويسألني حامل الأمتعة عن حقائبي، سأحاول أن أجد ألف مبرر غير أن شركة الطيران نسيت شحن حقائبي، لأنه مبرر ساذج ومضحك في ذات الوقت، بعدها مباشرة سأتوجه إلى السوق لشراء أهم الاحتياجات التي ستكلفني تقريباً ألف ريال، هذا إذا كنت بمفردي، وتصوروا لو كانت معي عائلة وأتحمل مسؤوليتها، كم عدد بيجامات النوم للصغار التي عليّ أن أشتريها، إضافة إلى الملابس الداخلية والأدوات الصحية، هذا إذا افترضنا أن حقائب السفر ستأتي في اليوم التالي.

انتهينا الآن من حل أولى المشاكل، ولنفترض أنه في اليوم التالي، أرسلت الخطوط رسالة عبر الجوال للمسافرين على هذه الطائرة المصابة بالزهايمر، تخبرهم فيه بأن حقائب السفر قد وصلت ويمكننا الحصول عليها، هناك خياران: إما أن يذهب البعض عبر القطار أو التاكسي، مما يعني ذلك سيعود ليدفع 400 ريال أخرى، ومثلها في حال عودته وخصوصاً إذا ما كانت عدد شنط السفر كثيرة.

والآن هل عشتم معي مقدار المعاناة التي سيعيشها أي واحد منا لو كان على متن هذه الطائرة؟

حتى لو سعت الخطوط السعودية لتعويض المسافرين، تبقى الثقة والمصداقية أهم بكثير من التعويض أو الاعتذار، لا شيء في هذا الزمن يعدل إرضاء العميل وتوفير سبل الراحة له، ولا أعرف لماذا تتعامل الخطوط السعودية مع مسافريها، وكأنها زوجة الأب التي لا تريد أن تكون سيدة طيبة وحنونة، رغم أنه لا شيء يدعوها لهذا التعامل.