إن ارتباط الطفل بتراثه الشعبي يعني بالضرورة تثبيت جذوره في هذه الأرض وصياغة هويته، وهو شيء لشد ما نحتاجه في هذا الوقت الذي تجتاح فيه رياح "العولمة" والثقافة الغربية أجواءنا بما يمكنها من اقتلاع هذا الطفل من أرضه وإلقائه في أرض غريبة عليه كي ينبت فيها.

فالطفل نواة هامة في بيئة تتنفس عبق الماضي وتراثا إنسانيا تزهو به العروبة كلها.

وأمام التطور الحضاري والقفزة التكنولوجية سريعة التطور، وُضع الطفل العربي أمام هوة سحيقة عليه أن يعبرها بسلام نحو الكمبيوتر بأدواته، والسماوات المفتوحة مرتعه، وغزو الفضاء واستيطان الكواكب مرصدا أبحاثه، فهل يحمل معه ماضيه وتراثه أم يتركه ليتزاور معه إن اغترب أم يزاوج بين الاثنين وكيف؟

إن النظر إلى كل ما هو جديد ومتطور قد يصيب الإنسان بما يسمى "باللوثة الحضارية" وهو مصطلح متعارف عليه حينما ينبهر الإنسان بحضارة ما، فينسى تاريخه، وربما يتبرأ منه.

هذه هي مخاوفنا وأطفالنا هم المستهدفون في هذه الآونة، لأن حمل التراث والإرث العربي ينوء به كاهلهم إذا لم تغرس فسائله بوجدانهم منذ الصغر، ليواجهوا العالم في ثوب حيكت خيوطه بعطر مأثورهم وعبق أجدادهم.

وبما أن المسرح أهم وسيلة إعلامية في عصرنا، فهو الأداة المؤثرة تأثيرا مباشرا وحيا، ذا علاقة وثيقة مع متلقيه، فلا يلبثوا أن يتعاطوا جرعاته حتى ينتشوا وقد امتزجت خلايا وجدانهم برسالته المراد بثها لهم. ومن هنا كان للمسرح خطورته وحيويته!

وهناك دعوات عدة، سبق وأن نادى بها المهتمون بمسرح الطفل، للالتزام بالموروث الشعبي بهذا المسرح، والطفل العربي يحمل سيكولوجية معينة، وخاصة طفل الحاضر، جيل التطور والتقنية، والذي لا يقنعه شيء بسهولة في ضوء ما يراه من إبهار في الوسائل الإعلامية الأخرى؛ التي تطغى على المسرح أمامهم، ليبحثوا عن المتعة والبهجة في قناة أخرى. ونحن نرى ما وصل إليه المسرح في العالم من التطور والإبهار وهو يستميل المشاهد الطفل.

قد يتساءل البعض عن العلاقة بين مسرح الطفل والتنمية؟!

إن وجود مسرح للطفل في أي مجتمع من المجتمعات مرتبط بالحد الأدنى من التقدم الاقتصادي، فالمسرح وخاصة مسرح الطفل من الأعمال المكلفة. فعناصر الإبهار المسرحي مطلوبة إلى حد كبير إن لم يكن بشكل ملزم. إن الدقة المتناهية في صنع هذه الأشياء بشكل فني تدخل فيه فنون الرؤية التشكيلية وفنون الاستماع - أي الفنون الصوتية - هذه الدقة من أهم الأشياء في مسرح الطفل لأنها تصوغ وجدانه وتقلم إحساسه و"من شب على شيء شاب عليه" ومن هنا كانت هناك حاجة ماسة للتنمية من أجل الطفل؛ وللطفل من أجل التنمية.

ومسرح الطفل ليس حدثا حديثا؛ فقد نشأ عالميا قديما كل القدم، بما يذكرنا بالألعاب الدثرامبية وعربة ثيسبس؛ وكان ذلك في بلاد اليونان منذ ما قبل الميلاد ولكن هذه الألعاب تجمع بين كبار وصغار في صور احتفالية، فلم تكن له الخصوصية مثل ما نراه في مسرح الطفل بعد القرن الثاني عشر الميلادي. والذي تطور حتى أصبح يعتمد على أعلى الحرفيات المسرحية من نصوص وديكور وإضاءة في أنحاء العالم.

كما أن إنجلترا قد اعتادت أن تقدم مسرح الطفل عبر مسارحها منذ أوائل القرن الثاني عشر في شكل عروض ترويحية فخمة، خلال أعياد الميلاد؛ وقد أطلق على هذه العروض "بانتومايم" رغم أن اسمها يوحي بالتمثيل الصامت إلا أنها تشتمل على الباليه والأغاني والرقصات والفكاهات وبعض العروض التمثيلية والبهلوانية. وتربطها صلة ضعيفة بالحكايات الشعبية والخيالية وفي مقدمتها "سندريلا" و"جاك وعود الفل".

وتطورت هذه العروض ومسرح الطفل الإنجليزي حتى الآن، وكان يهدف في المقام الأول إلى التربية؛ وهم يقسمون مسرح الطفل إلى ثلاث مراحل: من سن 5 إلى 7 ومن سن 8 إلى 12 ومن سن 13 إلى 15، ولكل سن تمثيلياته الخاصة به وكان الممثلون الكبار يقومون بأداء الأدوار للأطفال هذا ما ذكره الباحث يعقوب الشاروني في دراسة هامة نشرت في مجلة المسرح المصرية.

أما في الولايات المتحدة الأميركية، فقد بدأ الاهتمام بمسرح الطفل حوالي عام 1935 حيث وصلت عدد الفرق إلى حوالي 1500 فرقة تقدم عروضها في أغلب الولايات؛ وقد قامت هذه الفرق لحماية الطفل من الهدف التجاري. وقد أصدر الكونجرس الأميركي عام 1935 قانونا تم بمقتضاه إنشاء "المسرح الاتحادي" ليقدم الأعمال ذات الأهداف الفنية حتى لو تعارض ذلك مع الأهداف التجارية. ومن هنا بدأ مسرح الطفل يمارس نشاطه في الهواء الطلق، فتتاح الفرصة لجمهور لم يكن قادرا على ارتياد مسارح الطفل التجارية؛ وبدون مقابل!

وفي أغسطس 1944 تم عقد مؤتمر قومي لمسارح الطفل انبثقت عنه "المنظمة الأميركية للمسرح"؛ ومهمتها التنسيق والتخطيط لمسارح الطفل التي أخذت تنمو وتنتشر.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عقدت عدة مؤتمرات لدراسة مختلف موضوعات مسرح الطفل، ووجهت اهتمامها الخاص نحو موضوع تخريج القادة في ميدان دراما الطفل!

في ألمانيا اهتم القائمون على الأعمال الفنية في مسرح الطفل منذ ما يقرب من ثلاثين عاما "وهو مسرح يهتم بتقديم الشكل المسلي، والممتع مقترنا بالتوعية والتوجيه".

والمسرح في ألمانيا بدأ تابعا للدولة، إذ تمنحه المنح لمواصلة مسيرته، كما تقوم بالإشراف عليه لجان من التربويين ذوي الخبرة الواسعة في مجال التعليم، كما أن مسارح الكبار وعددها 60 مسرحا ملزمة بتقديم ثلاثة عروض للأطفال كل عام بهدف خلق جمهور مسرحي يتذوق الفن منذ الطفولة. أما في روسيا فيقول "وينفرد وارد" الكاتب الأميركي في كتابه مسرح الطفل: فاق اهتمام روسيا بدراما الأطفال اهتمام أي دولة أخرى؛ فعلاوة على المهرجانات الشعبية والدينية والرقص الدرامي ومسرح العرائس الذي انتشر في أغلب الدول منذ زمن بعيد تقدم روسيا منذ سنوات طويلة مسرحيات في مسارح المحترفين يحرص الأطفال على مشاهدتها بشغف" ففي عام 1918 أنشئ مسرح موسكو للأطفال، وعندما تحول إلى معهد- تقدم له الدولة المعونات - انتقل إلى مسرح فخم في ميدان المسرح في موسكو.

ورغم كثرة المسارح للأطفال التي تنتشر في جميع الأنحاء، إلا أن هذا المسرح ظل يمارس نشاطه بنجاح وهي فرقة تتكون من 50 ممثلا.

ولشدة إيمان الروس بأن المسرح وسيلة فعالة في التعليم والتنمية، فإنهم يتبعون نظاما دقيقا في دراسة جمهور المتفرجين الأطفال، دراسة منظمة ليعرفون ميولهم ويجعلون من المسرحيات وسيلة للإمتاع والتوجيه في نفس الوقت، وبعد اختيار المسرحية أمام مجموعة من المتفرجين يقتطع المؤلفون والمخرجون أجزاء منها أو يدخلون عليها من التعديل ما يجعلها ملائمة لمستوى سن جمهور المتفرجين الذي أعدت خصيصا له؛ وإذا ظهر أنها أقل مستوى أو أعلى، عرضت على سن أخرى في بلاد أخرى. ولذلك كان لزاما وجود مسرح طفل على أسس فنية تعليمية من أجل التنمية.