أمتي هل لك بين الأمم

منبر للسيف أو للقلم

أتلقاك وطرفي مطرق

خجلا من أمسك المنصرم

ويكاد الدمع يهمي عابثا

ببقايا كبرياء الألم

أين دنياك التي أوحت إلى

وتري كل يتيم النغم

أمتي كم غصة دامية

خنقت نجوى علاك في فمي

للشاعر عمر أبوريشة رحمه الله.

بعض الأفكار شرسة تحلق بعيدا وتفلت من أعنة العقل؛ ترهقنا حين ننقاد لجموحها وتعود لنا بعد أن نصاب باليأس.. ما تزال تعبر عن نفسها وهي تعبرنا كالأشباح وتكتبنا في قوائم النار ظنا أنها تدين ولا تدان! قد نحبها لكننا نضيق من تمردها، وقد نحتمل انفلاتها أحيانا لولا أننا نحتاج عقلها حينا من الدهر ونبحث عمن يتوكل ويعقل.

الكتابة عشق ووطن من حروف مربعة ننقر عليها لنشكل الكلمات على الشاشة أو مشاعر تنساب عبر حبر يبكيه قلم على صفحة كانت بيضاء قبل أن ينهمر عليها ببوحه وروحه فيحول البياض، لمعنى وكان قبلها مجرد خريطة بلا حدود.

على أحد الأرفف المخصصة لوضع الأقلام اجتمعت مجموعة منها، اختلفت ألوانها وأشكالها لكنها كانت تجيد الكتابة إلى "حد ما".

كانت ملونة بألوان زاهية لكن أكثرها رصانة كان الأسود، وأكثرها قبولا كان الأزرق، أما الألوان المشعة فكانت غير مرغوبة ممن يقرأ ليفهم.

كان قدر أحد الأقلام العادية أنه وقع في يد طفل غير عادي.. كان يحب الرسم كثيرا لكنه لم يكن يجيد إلا رسم الوجع.

هذا القلم كان ينزف حبره بصمت على ملامح بدأت تتلاشى من الوهن؛ تارة يرسم (حنظلة) وحينا يرسم مثل (كارلوس لطوف) يجيد رسم الغربة والتشرد لكنه بقي مخصصا للرسم فقط وللصمت دوما مع أنه بارع حتى في خطاب من لا يجيدون القراءة.

قلم فاخر ثمين كتب بلون أزرق وفضل أن يكون طائرا محلقا بين مدن باذخة بالفكر والسهر، كان دائما يعرف أكثر لكنه يكتب الأقل بلغة سرية لا يفهمها إلا من أدمن القراءة له.

أنهكت المعارك ذلك القلم وتساقطت حوله أقلام أحبها بشظية أو بكلمة جارحة وبقي صامدا، ما يزال يكتب بحذر وما زال يؤلف معزوفاته الخاصة لكنه يخشى أن يعرضها على من لم يقدر فنه.

القلم الثالث اشتراه أديب ألمعي كان يسكب الكلمات في قوالب خلابة، كتب يوما عن أم عقها بنوها وأنشدت وجعها شعرا.. بقيت تبكي لكن عرافة أخبرت الكاتب والحي أن أمهم لم تحسن تربيتهم ولم تعلمهم الحب. بكى الكاتب الأنيق كثيرا.. وبكى الكاتب البسيط أكثر..

وطالما عزف على الرّف قلم له بريق حنون كشمس الشتاء وأحرفه وردية وبإحساس عطر؛ حتى من الممكن أن تحيك من كلماته معطفا للشتاء، أو تحولها لمظلة تقي حرارة الصيف؛ ويمكن أن تكون طبق حلوى للمتخمين بحروف غير سمينة، ويمكن أن تكون للحالم ياسمينة وللجائع رغيفا وللطائر رفيفا.

هذا القلم الرائع كان فقط سهل الانكسار.

ومرّ مهندس على الرف فالتقط قلما ملونا رسم به للواجهات المتداعية وجها أبيض وللمباني المنهارة قواعد ثابتة وأخذ يتأمل في المدينة المكلومة، ويزرع بجرة قلم حديقة ويبني نافورة ويزيل أحجار الطريق المتناثرة ويدفن ما تبقى من أشلاء مضت.

وقلم آخر لا يتوقف عن النقر على الآلة الحاسبة ليعرف الخسائر ويجمع الأرباح ويحلل نقاط الممانعة والانكسار ويحذر أهل الدار من كيد "شاهبندر" التجار.

قلم صادق لأنه صديق للأرقام، وهي لا تكذب كما يكذب بعض البشر ليخدعوا البسطاء والحالمين!

الأقلام قد تكون هواية وقد تصبح غواية!

تلفظ المصانع أقلاما رديئة لا تكتب إلا مأجورة وهي في حقيقتها مأزورة ومأزومة؛ لأنها لا تملك حريتها. جرفها حرفها الحاد المسنون لهاوية التهديد والتنديد والابتزاز، فأخذت تضيف لكل كلمة جميلة حرفا يشوه معناها؛ فالحب تضيف له راء لتحتال للحرب، والجوع تقدم واوه على جيمه ليتحول وجعا وتسرق ألف السماء الممدودة. قلم حاد لا يحمله على صدره إلا صاحب مصلحة ومن يتحرر مما كتب من سم، أو استهان بما سفك من دم ينجو من ألوان الحرباء القاتلة.

ربما تبدو تجارة الأقلام تجارة رائجة لكنها عالية المخاطر فالخسارة فيها أيضا فادحة.

من يكتب بقلمه مستخفا ببقايا إنسان أو مدينة يسقط في هاوية البغض حيث لا فرار.

ومن يتاجر بهموم البشر لمصلحته سيخسر كل مصالحه بلا شك.

الأقلام شديدة الشفافية نرى ما خلفها ومن خلفها بمجرد أن تبدأ الكلام أو السير على الورق

وقد كان بعض الشعراء العوام يأمرون أقلامهم قائلين للناقل الرسمي للأفكار: "سر يا قلم"

لكن سير القلم وسره في هذا الزمن يدعوان إلى أن يتوقف صاحبه ليقيم ما قدمه، وهل كان كقطرات الماء على الحجر أم مجرد نقوش للغة ميتة وسير على الرمال المتحركة يغوص لداخل الأرض ولا يحلق للسماء.